بين الانسحاب و العودة : هل تُعاد هندسة المأساة السورية؟

ماهين شيخاني

لا يكاد الشعب السوري يلتقط أنفاسه من نكسة، حتى يجد نفسه أمام نكسة أخرى. دوامة ممتدة من الدم، والخذلان، والانقسامات، والرهانات الدولية المتقلبة. وإذا كان السوريون عموماً قد دفعوا ثمن صراع لم يختاروه، فإن الشعب الكوردي دفع الثمن مضاعفاً: مرة بوصفه جزءاً من الجغرافيا السورية المشتعلة، ومرة بوصفه ورقةً في لعبة إقليمية ودولية لا ترحم.
في هذا المشهد المربك، تأتي الانسحابات الأمريكية المتكررة من ” قسرك ” روژآڤاي كوردستان، ثم عودة تنظيم داعش إلى الواجهة بخلايا نائمة وعمليات مباغتة، يترافق ذلك مع تصاعد خطاب تحريضي عنصري يهدد السلم الأهلي ويعيد إنتاج الشكوك المتبادلة بين مكونات البلاد.
هنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
هل ما يجري مجرد فوضى طبيعية لمرحلة انتقالية مضطربة؟
أم أننا أمام لعبة خبيثة تُدار بخيوط إقليمية ودولية فوق هذه البقعة الجغرافية المنهكة؟
أولاً: سوريا… عقدة المصالح المتشابكة
سوريا ليست مجرد دولة تعاني أزمة داخلية. إنها نقطة تقاطع جيوسياسي حساس:
تماس مباشر مع تركيا.
عمق استراتيجي لإيران.
ساحة نفوذ لروسيا.
ورقة ضغط في يد الولايات المتحدة.
خاصرة قلقة للعراق.
حدود مشتعلة مع إسرائيل.
كل طرف يرى في هذه الجغرافيا أكثر من مجرد أرض؛ يراها نفوذاً، أمناً قومياً، ممرات طاقة، أو توازن ردع. في مثل هذه البيئة، يصعب تصديق أن ما يحدث هو نتيجة الصدفة وحدها.
الانسحاب الأمريكي — سواء كان تكتيكياً أو جزئياً — لا يُقرأ فقط كقرار عسكري، بل كرسالة سياسية. فمنذ إعلان الانسحاب الأول عام 2019، تركت واشنطن فراغاً استراتيجياً استغلته قوى أخرى بسرعة. والفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فارغاً طويلاً.
ثانياً: الكورد بين التحالف والخذلان
الشعب الكوردي في سوريا وجد نفسه، خلال سنوات الحرب، في موقع متقدم في مواجهة داعش. دفع آلاف الشهداء في معارك مفصلية، وساهم في تفكيك أخطر تنظيم إرهابي في المنطقة.
لكن التحالفات في السياسة لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح. ومع تغيّر الأولويات الأمريكية، بات واضحاً أن الدعم ليس ضمانة دائمة، وأن الحسابات الكبرى قد تتجاوز التضحيات المحلية.
هذا الشعور المتكرر بالخذلان — سواء في محطات تاريخية سابقة أو في التطورات الأخيرة — يعمّق لدى الكورد هاجس أنهم دائماً الحلقة الأضعف في لعبة الأمم.
لكن السؤال الأهم:
هل الخطأ في التحالفات نفسها، أم في غياب رؤية استراتيجية كورديّة مستقلة لا تربط مصيرها بالكامل بقوة خارجية؟
ثالثاً: عودة “داعش”… صدفة أم نتيجة؟
عودة نشاط خلايا داعش في توقيت حساس تثير الريبة. فالتنظيم الذي خسر “دولته” المزعومة لم يخسر شبكاته ولا أيديولوجيته.
عندما تضعف القبضة الأمنية، وعندما تنشغل القوى المحلية بصراعاتها، وعندما تتضارب الأجندات الإقليمية، تنمو الفوضى في الظل. والسؤال المشروع:
من يستفيد من إبقاء شبح الإرهاب حيًّاً؟
وجود خطر دائم يبرر:
بقاء قواعد عسكرية.
تدخلات أمنية.
حملات عسكرية عابرة للحدود.
تأجيل أي استقرار سياسي حقيقي.
الفوضى أحياناً لا تكون فشلاً… بل أداة.
رابعاً: التحريض العنصري… أخطر من الرصاص
في موازاة التطورات العسكرية، يتصاعد خطاب كراهية مقيت بين مكونات الشعب السوري. التحريض ضد الكورد، أو ضد أي مكون آخر، ليس مجرد انفعال عاطفي، بل وقود جاهز لحروب مستقبلية.
حين يُصوَّر الكوردي كعميل، أو أي مكون كتهديد وجودي، فإن النتيجة الحتمية هي تفكك النسيج الاجتماعي. وهنا يكمن الخطر الأكبر:
تفتيت المجتمع من الداخل، ليصبح أكثر قابلية للاختراق الخارجي.
الرهان على الانقسام المجتمعي قد يكون أخطر من أي تدخل عسكري مباشر. فالمجتمع المنقسم يسهل توجيهه، ويصعب توحيده.
خامساً: لعبة خبيثة أم عجز جماعي؟
لا يمكن إنكار وجود صراعات إقليمية ودولية فوق الأرض السورية. لكن تحميل الخارج كامل المسؤولية يُعفي الداخل من محاسبة نفسه.
نعم، هناك مصالح كبرى.
نعم، هناك تدخلات واضحة.
نعم، قد تكون هناك “لعبة” تُدار في الكواليس.
لكن في المقابل:
الانقسام السياسي الداخلي،
غياب مشروع قومي ووطني جامع،
الارتهان للمحاور الخارجية،
ضعف المؤسسات،
غياب الشفافية والمساءلة،
كلها عوامل جعلت من سوريا ساحة مفتوحة، لا لاعباً مستقلاً.
اللعبة لا تنجح إلا حين تكون الأرض مهيأة.
سادساً: ما الذي يمكن فعله؟
السؤال ليس فقط: هل هناك لعبة خبيثة؟
بل: كيف نخرج منها؟
بالنسبة للشعب الكوردي خصوصاً، فإن المرحلة تفرض:
بناء وحدة موقف سياسي داخلي حقيقي، بعيداً عن صراعات الزعامة.
تنويع العلاقات الخارجية دون الارتهان لطرف واحد.
ترسيخ خطاب وطني سوري جامع يرفض العنصرية ويؤكد الشراكة.

التركيز على الاقتصاد والخدمات، لأن الاستقرار المعيشي أقوى من أي خطاب سياسي.
أما على المستوى السوري العام، فلا بد من مشروع وطني يتجاوز عقلية الغلبة والثأر، ويعترف بتعددية البلاد وحقوق مكوناتها ضمن إطار دولة عادلة.
خاتمة: بين الشك والوعي
قد تكون هناك لعبة تُدار فوق هذه الجغرافيا.
وقد تكون هناك حسابات لا تُعلن.
لكن المؤكد أن استمرار الارتهان، والانقسام، والتحريض، سيجعل أي لعبة تنجح بسهولة.
الخطر لا يكمن فقط في انسحاب قوة كبرى، ولا في عودة تنظيم متطرف، بل في فقدان القدرة على صياغة مشروع ذاتي مستقل.
سوريا ليست مجرد ساحة صراع.
والمسألة الكوردية ليست ورقة تفاوض عابرة.
إما أن يتحول القلق المشروع إلى وعي سياسي منظم،
وإما أن تبقى هذه الأرض تدور في دوامة لا تنتهي…
حيث تتغير الأسماء، وتبقى المأساة.

قد يعجبك ايضا