نبيل عبد الأمير الربيعي
في رواية زوربا اليوناني للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، يبرز حوار عابر في شكله، عميق في دلالاته، بين الراوي وزوربا حول الصلاة، لكنه في جوهره يتجاوز حدود الطقس الديني إلى سؤال أوسع عن معنى العلاقة بين الإنسان وربّه، وعن طبيعة الإيمان حين يتحرر من الخوف والطمع.
حين يُسأل زوربا: (لا أراك تصلي)، يأتي جوابه صادماً في بساطته: (الذي يصلي لن تراه). هنا تتجلى رؤية تعتبر الصلاة فعلاً داخلياً لا استعراضاً خارجياً؛ علاقة سرية لا تحتاج إلى شهود. إنّها ليست حركة جسد بقدر ما هي حالة روح، وليست إعلاناً اجتماعياً بقدر ما هي همس وجودي بين الإنسان وخالقه.
ويتعمق الحوار حين يُستفهم عن كيفية صلاته، فيرفض زوربا أن تكون صلاته (صلاة شحاذ وضيع يتذلل من أجل أطماعه ومخاوفه)، بل يؤكد أنه يصلي (كرجل). وهذه العبارة المفتاحية تختصر فلسفة كاملة في التدين؛ فالصلاة عنده ليست استجداءً، بل وقفة كرامة، وليست قائمة مطالب، بل حضور محبة. إنّه يرفض صورة الإنسان الخائف الذي لا يتوجه إلى الله إلا عند الحاجة، ويستبدلها بصورة الصديق الذي يتحدث بثقة وودّ.
(نضحك ونتكلم كصديقين)؛ هكذا يصف زوربا صلاته. الضحك هنا ليس استخفافاً، بل تعبير عن ألفة روحية، وعن إيمان خالٍ من التوتر المرضي. إنّها علاقة قائمة على الحب لا على الرهبة وحدها، وعلى الثقة لا على القلق. لذلك لا يطلب شيئاً، لأنّه يرى في الله كريماً بما يكفي ليعطي دون سؤال، ما دام قد وجد في القلب حباً.
وحين يُسأل عن الخوف، لا يدّعي البطولة ولا ينفي إنسانيته؛ (أخاف ككل إنسان)، لكنه يستدرك بيقينٍ عميق: (الحب يذهب الخوف). وهنا تبلغ الفكرة ذروتها؛ فالإيمان الحقيقي، في نظره، ليس غياب الخوف، بل القدرة على تجاوزه عبر الحب. إنّها رؤية تجعل من المحبة جوهر العلاقة مع الله، وتجعل من الثقة امتداداً طبيعياً لهذا الحب.
إنّ هذا الحوار، رغم بساطته، يعيد تعريف الصلاة بوصفها تجربة وجودية شخصية، لا تُقاس بعدد الركعات ولا بطول الأدعية، بل بصدق الصلة وعمق الإحساس. وهو يفتح باباً للتأمل في شكل تديننا: هل هو تدين خوف أم تدين حب، هل نقف بين يدي الله كمتوسلين مرتجفين، أم كأبناء واثقين، يعلمون أن المحبة أسمى من الرهبة؟!
بهذا المعنى، لا يقدم زوربا درساً في الطقوس، بل درساً في الحرية الداخلية؛ حرية أن يكون الإنسان صادقاً في علاقته مع ربه، بعيداً عن المظاهر، قريباً من جوهر الإيمان!