بين العقل والقصيدة.. سيرة حسام الألوسي وغربته الفلسفية

محمد علي محيي الدين

ولد حسام محيي الدين عبد الحميد الألوسي عام 1354هـ/1936م في تكريت، من بيتٍ دينيٍّ تقليدي، لكنه منذ طفولته كان يُعدّ لقدرٍ آخر، قدرٍ يضعه على تخوم السؤال والشك، بين الإيمان والعقل، وبين الطمأنينة والقلق الوجودي. أنهى دراسته الأولى في مدينته، ثم شدّ رحاله عام 1952م إلى بغداد، حيث دخل كلية الآداب في جامعة بغداد، قسم الفلسفة، وكأن الفلسفة كانت منذ ذلك الحين وطنه الحقيقي، أو منفاه الأبدي.

وبعد تخرجه توزّعت سنواته الأولى بين التعليم في متوسطة طويريج، ثم تكريت، ثم ثانوية كربلاء، قبل أن تنفتح أمامه بوابة العالم الأوسع حين ابتعث عام 1961م إلى بريطانيا، ليكمل دراسته العليا في جامعة كمبردج، حيث نال شهادة الدكتوراه عام 1965م عن أطروحته الموسومة «مشكلة الخلق في الفكر الإسلامي»، وهي أطروحة لم تكن بحثًا أكاديميًا فحسب، بل إعلانًا مبكرًا عن مشروعه الفكري القائم على إعادة قراءة التراث بعينٍ عقلانيةٍ نقدية.

عاد الألوسي إلى بغداد محمّلًا بروح البحث والأسئلة، ليعمل أستاذًا في قسم الفلسفة بجامعة بغداد منذ عام 1968م، ويترأس القسم في فترات متعاقبة، ويغدو أحد الأعمدة الفكرية للحياة الفلسفية العراقية. انخرط في جمعية العراق الفلسفية، وتحمّل مسؤولية جانبها العلمي وإنتاجها الفكري، وصار نائبًا لرئيس الجمعية الفلسفية العربية في الأردن، وعضوًا مشاركًا في الجمعية الفلسفية المصرية، ثم تولى رئاسة قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة منذ عام 2006م. ولم يكن دوره إداريًا أو شكليًا، بل كان دور المعلّم والمفكّر الذي يزرع في طلابه شغف السؤال وجرأة التفكير، فأشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وأسهم في تكوين أجيال من الباحثين الذين صار بعضهم زملاء له في الدرس والبحث.

امتدت خبرته خارج العراق، فكان مستشارًا لمجلة «دراسات معاصرة» في كندا، ولمجلة «أوراق فلسفية» الصادرة عن جماعة أكاديمية في جامعة القاهرة، مؤكّدًا حضوره العربي والعالمي بوصفه عقلًا نقديًا لا يهادن السائد ولا يستكين للموروث ما لم يُعرض على محكمة العقل.

ترك الألوسي مؤلفاتٍ كثيرة، تشي بتنوع اهتماماته وعمق مشروعه، من الحوار بين الفلاسفة والمتكلمين، إلى مشكلة الخلق في الفكر الإسلامي، إلى تحقيق النصوص العقلية القديمة، والبحث في الفلسفة اليونانية قبل أرسطو، وفي الزمن، والأخلاق، والعقل والعقلانية، والفلسفة والإنسان، ومدخل الفلسفة، وغيرها من الكتب التي لا تقرأ بوصفها توثيقًا تاريخيًا للفلسفة، بل بوصفها محاولات حثيثة لتأسيس وعي فلسفي عربي حديث. كان يرى أن مهمته ليست سرد تاريخ الأفكار، بل إعادة إنتاجها في ضوء الحاضر، وتحويل التراث من معبدٍ مقدّس إلى مادة حيّة قابلة للنقد والتجاوز. ولهذا كان يؤكد أن كتبه ليست «تاريخًا للفلسفة»، وإن استعانت بالتاريخ، لكنها تتجاوزه صوب غايات أخرى، هي تحرير العقل وتوسيع أفق الحرية الفكرية.

مشروعه الفلسفي كان مشروعًا نقديًا بامتياز، ينطلق من المنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي، ويتخذ من العقل أداة مركزية في قراءة التراث الإسلامي. كان يرى أن تصحيح نظرتنا إلى التراث، انطلاقًا من معايير الفكر المعاصر، يفضي بالضرورة إلى توسيع فضاء الحرية، ومن ثم إلى ولادة فلسفة عربية جديدة، لا تكرر الماضي ولا تقطعه، بل تحاوره وتعيد بناءه. وفي كتابه «تجربتي الفلسفية» عبّر بوضوح عن هذا الوعي حين أكد أن بحوثه في الغزالي، والفارابي، وتقسيم العلوم، ونشأة الفكر العربي الإسلامي، ليست غاية في ذاتها، بل محطات في طريق أطول، طريق إعادة تأسيس العقل الفلسفي العربي على أسس نقدية حديثة.

غير أن الألوسي لم يكن عقلًا فلسفيًا صافيًا فقط، بل كان قلبًا شعريًا نابضًا. فإلى جانب الفلسفة، كان يكتب الشعر، ويجد فيه متنفسًا لقلقه الوجودي وتوتره الداخلي. في شعره تظهر تلك الازدواجية التي عاشها طوال حياته: عقلٌ يحاكم الأشياء بصرامة، وقلبٌ يتألم بصمت. وقد أصدر عام 2009م ديوانه «زمن البوح»، الذي ضم أكثر من سبعين قصيدة عمودية، كتب معظمها في فترات متباعدة، وبقيت حبيسة الأدراج سنوات طويلة. في هذه القصائد يتكلم الألوسي عن غربته، عن وحدته، عن تمزقه بين الشك واليقين، وعن شعوره بأنه غريب عن الزمن وعن الناس وعن تراثه في آنٍ واحد.

وصفه الناقد فاضل ثامر بأنه فيلسوف كبير وشاعر موهوب في الوقت نفسه، وأنه رغم انحداره من عائلة دينية، فقد قادته موجات الشك واليقين إلى التمرد، وإلى اعتناق فكر عقلاني ليبرالي علماني. في شعره نجد قصائد وطنية، وأخرى شخصية «إخوانية»، وثالثة تمسّ هموم الإنسان الكبرى. كتب عن عبد الكريم قاسم، وكتب عن شهداء الحزب الشيوعي العراقي (فهد وصارم وحازم)، وكتب عن ذاته القلقة، وعن أصدقائه، وعن حزنه العميق الذي لم يفارقه.

كان يقول عن ديوانه: «هذا الديوان يحمل غربة عن الزمن وعن الآخرين وعن تراثي… ستجدون في القصائد إنسانًا يتكلم بعقله في بيت شعر، وفي بيت آخر يتحدث بقلبه». وهي عبارة تختصر حياته كلها، حياة عاشها موزعًا بين حدّين: حدّ الفيلسوف الذي لا يطمئن إلا للحجة والدليل، وحدّ الشاعر الذي لا يهدأ إلا في حضن الوجدان.

في سنواته الأخيرة انسحب الألوسي بهدوء من المشهد الثقافي، وداهمه المرض عامًا كاملًا قبل رحيله. وبرغم أنه كان اسمًا لامعًا في الفلسفة، وتخرج على يديه المئات من الطلبة، وبرغم حضوره العربي والدولي، فقد عاش عزلةً صامتة، تشبه كثيرًا تلك العزلة التي سكنت شعره وأفكاره. كأن الغربة كانت قدره الأخير، كما كانت قدره الأول.

وفي مساء الاثنين 2 ذو الحجة 1434هـ، الموافق 7 تشرين الأول/أكتوبر 2013م، أعلن في بغداد عن رحيل حسام الألوسي عن عمر ناهز السابعة والسبعين عامًا. رحل الفيلسوف الشاعر، وبقي أثره شاهدًا على عقلٍ شجاع، وقلبٍ قلق، ومشروعٍ فكريٍّ حاول أن يصالح التراث مع الحداثة، والعقل مع الإيمان، والفلسفة مع الإنسان.

قد يعجبك ايضا