الكيمياء على أطباقنا، ماذا نأكل حين نأكل؟

الباحثة أمل حمادي عبدالله الأحمدي
بكلوريوس في العلوم البيئية

في لحظةٍ يملؤها الهدوء، حين نجلسُ إلى مائدة الطعام ونمدُّ أيدينا بعفويةٍ نحو الخضروات والفاكهة والخبز، لا نفكر كثيرًا فيما نأكل، إذ يغمرنا ظنٌّ بأن الحياة ما زالت كما عهدها أجدادنا، بسيطة، نقية، وقريبة من نبض الأرض التي منحتنا كل شيء بصمتٍ وكبرياء. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري والألوان الزاهية، تختبئ قصةٌ موجعة تجعلنا نسأل أنفسنا: ماذا نأكل حين نأكل؟ إننا وللأسف لم نعد نأكل “تفاحة” نضجت بشمس الله، ولا قطفنا “خضاراً” ورقية ارتوت بماء النهر العذب ونبتت في طينٍ مبارك، بل باتت أجسادنا تبتلعُ مزيجاً معقداً من مواد غريبة صُممت ببرودٍ لتمنح الأشياء حجماً لافتاً ولمعاناً زائفاً يغوي الأبصار، بينما يغيبُ عنها جوهر النقاء.
لقد بدأت ملامح القلق تظهر في غذائنا اليومي. فبين الرغبة في زيادة الإنتاج الزراعي، وضغط الظروف الاقتصادية، قد تُستخدم أحيانًا مبيدات أو مواد كيميائية دون التزام كافٍ بالمعايير الصحية أو الإرشادات العلمية الدقيقة .
لم تعد الحقول مجرد أماكن تنمو فيها النباتات، بل أصبحت مساحة تتداخل فيها الكيمياء مع الحياة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود المبيدات، بل في طريقة استخدامها وفي ضعف الرقابة أحيانًا، وفي نقص الوعي بأثر التراكم الحيوي للملوثات داخل الجسد البشري. فبعض المواد الكيميائية لا تظهر آثارها فورًا، لكنها قد تترك بصمتها ببطء داخل خلايا وأنسجة الجسم دون أن نشعر، حيث تظهر آثارها مع الزمن.
إن ما يحدث اليوم في بعض مزارعنا ليس مجرد “خطأ زراعي” إنما هي جريمة بيئية كبرى. حين يسقي المزارع زرعه بمياه الصرف الصحي أو يفرط في رش المبيدات الكيميائية المحرمة دولياً لمجرد “تعجيل النضج” والربح السريع، فإنه يبيع للناس”موتًا بطيئًا في رداء الثمار” .
أن للطبيعة ميقاتاً ربانياً وقوانين كونية لا تقبل العبث، وتزويرُ نضجِ الثمار بالكيمياء ليسَ حيلةً، بل خرقاً لسننِ النماءِ الكونية. فحين ندرسُ النبتةَ لتزييفِ لونِها وحجمِها، نغتالُ توازنَها الفطري، ونُقدمُ لبني البشر سُماً مُغلفاً برداءِ الغذاء. فتتبدلُ اللقمةُ من عافيةٍ تُحيي إلى علةٍ تُفني، فما أبخسَ الربحَ حين يُنتزعُ من عافية الإنسان .
إن هذا العبث بصحة الإنسان يتطلب وقفة حازمة، تبدأ بفرض رقابةٍ وحظرٍ قطعي لكل مادة تخلّ بالمنظومة البيئية، وتفعيل مختبرات تفحص بصدقٍ ما يدخل حدودنا وما يخرج من مزارعنا. الحل ليس مستحيلاً، بل يكمن في استعادة هيبة “الرقابة الصحية” وتحويلها إلى درعٍ يحمي صحة الإنسان، لنسترد عافية مجتمعنا بالاعتماد على المنتجات الطبيعية والآمنة.
يواجه الواقع العراقي اليوم تحديات جسيمة تجعل مائدتنا مكشوفة تماماً أمام العبث الكيميائي، حيث تبرز مشكلة “ضعف الرقابة” هذا الضعف يمتد ليصل إلى المنافذ الحدودية، التي تشهد دخول أطنان من الخضروات والفواكه المستوردة التي قد تكون مرفوضة في بلدانها الأصلية بسبب نسب المبيدات العالية، لكنها تجد طريقها لأسواقنا نتيجة ضعف الفحص المختبري الفوري.
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب فرض منظومة رقابة صارمة في الأسواق الكبرى تمنع دخول أي بضاعة تتجاوز نسب السموم المسموحة قبل وصولها للمستهلك، بالتزامن مع إجراء فحص دوري للتربة والمياه لضمان خلوها من المخلفات الصناعية.
ومن جهة أخرى، يبرز دور الإرشاد الزراعي في توعية المزارع بأن تدمير التربة بالكيمياء سيفقدها صلاحيتها للزراعة. وإن الأمانة المهنية تقتضي تقديم منتجٍ آمن لا يضر بالمستهلك، بدلاً من الجري وراء الربح السريع. وهذا يفرض دعم الفلاح المحلي والزراعة العضوية التي تحترم دورة الحياة ولا تستعجل الثمر بالسموم. واعتبار تسمم الغذاء جريمة كبرى ضد الإنسانية ، فالذي يسقي بماء ملوث يقتل شعباً ببطء. وتبرز أهمية توعية المستهلك لشراء المحاصيل في مواسمها الطبيعية، والابتعاد عن الثمار ذات الأشكال المثالية “المصطنعة” أو الروائح الكيميائية النفاذة، حمايةً لصحته وتحصيناً للأمن الغذائي للبلاد .
إن استعادة الرقابة الصحية هي استعادة لصحة الإنسان العراقي، وتأكيد صريح بأن أجسادنا ليست مكباً للسموم الكيميائية. نحن نأمل بيوم يستعيد فيه العراق قدرته على إطعام أبنائه من خيرات أرضه وبعيداً عن الكيمياء المستوردة، لتصبح “الرقابة” وساماً للجودة يطمئن له قلب الأب وهو يطعم أطفاله . ومع هذا يظل الأمان معقوداً على وعي المستهلك وصدق المزارع. وبإمكاننا اليوم أن نغرس الصحة في أجسادنا والبركة في تربتنا، لتغدو موائدنا شاهداً على جودة حياتنا، لا مسرحاً للعبث .
ربما لن نستطيع إزالة كل آثار التلوث اليوم … لكننا نستطيع أن نبدأ بخطوة صغيرة.
أن نزرعَ وعيًا جديدًا.
أن نحمي الحقول.
ان نحافظ على ما يدخل إلى أجسادنا.

فماذا نأكل حين نأكل؟
نأملُ أن نستنبتَ السلامة في أبداننا، لا سقاماً يتسللُ إلى أطباقنا.

قد يعجبك ايضا