متابعة التآخي
في خضم المشهد السياسي العراقي المعقد وتلاحق الأحداث السريعة، تبرز أزمة غياب وحدة الصف الكوردي في العاصمة بغداد كواحدة من أهم التحديات التي تواجه إقليم كوردستان. وفي هذه المقابلة الخاصة على شاشة (كوردستان 24)، تفتح مقدمة البرنامج ملف التشتت الكوردي مع الدكتور فرهاد أتروشي، نائب رئيس مجلس النواب العراقي.
يسلط الحوار الضوء على الأسباب الحقيقية وراء خسارة الكورد لمناصب سيادية حساسة مثل منصب “رئيس أركان الجيش العراقي”، وكيف تُستغل الخلافات الكوردية-الكوردية من قبل الأطراف السياسية الأخرى للسيطرة على اللجان البرلمانية الهامة. كما يتطرق اللقاء إلى أزمة منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ومخاطر الوضع الاقتصادي العراقي على مستقبل الإقليم.
ژینو محمد: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام في حوار جديد. الوقت يمر بسرعة كبيرة، ولكن هنا في العراق الأحداث ساخنة والأسئلة كثيرة؛ أبرزها مسألة تأخر حسم منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وهو ما يمثل أزمة سياسية مستعصية.
السؤال الأهم هنا يتعلق بغياب وحدة الصف الكوردي في بغداد. مؤخراً، شهدنا جدلاً واسعاً داخل قبة البرلمان العراقي، وتحديداً بين نائبي رئيس البرلمان ورئيس البرلمان نفسه، حول توزيع المناصب. وقد برزت أزمة فقدان الكورد لمنصب “رئيس أركان الجيش العراقي”.. لماذا حدث ذلك؟ ومن المسؤول؟ هل كنا سنستفيد لو بقي المنصب للكورد؟ وماذا خسرنا بضياعه؟
للإجابة على هذه التساؤلات، يسعدني أن أرحب بضيفي، الدكتور فرهاد أتروشي، نائب رئيس مجلس النواب العراقي. أهلاً بك دكتور.
د. فرهاد أتروشي: أهلاً بكِ، وشكراً على الاستضافة.
ژینو محمد: دكتور فرهاد، خلال الشهرين الماضيين من تواجدك في بغداد، ما الذي رأيته؟ ما الذي أثار قلقك؟ وما الذي أفرحك؟
د. فرهاد أتروشي: بصراحة، أنا قلق جداً، وتحديداً فيما يخص الوضع الكوردي. يؤلمني كثيراً ما أراه. نحن في النهاية كورد، وصحيح أن لدينا أحزاباً وتوجهات مختلفة وخلافات سياسية طبيعية، ولكن يجمعنا جغرافيا واحدة واسم واحد هو “كوردستان”، والمشتركات بيننا أكبر بكثير من نقاط الخلاف.
أكبر أمنياتي الآن هي أن أرى الكورد موحدين، لأن الكورد في بغداد للأسف ليسوا بصوت واحد. المشهد العراقي فوضوي، والصراعات محتدمة، وهناك أطراف عراقية تسعى بكل قوتها لإضعاف وتصغير إقليم كوردستان وجعل المواطن الكوردي مجرد مواطن عراقي عادي بلا خصوصية.
ژینو محمد: بصفتك نائباً لرئيس البرلمان وتملك سلطة وكلمة مسموعة، ألم تحاول جمع هذه القوى السياسية الكردية لتكون صوتاً واحداً؟
د. فرهاد أتروشي: الأمر أكبر من ذلك، لكنني حاولت. خلال هذين الشهرين، ورغم عدم وجود حكومة أو رئيس جمهورية، بادرت وعقدت اجتماعين أو ثلاثة مع ممثلي القوى الكوردية. اقترحت تأسيس “مجلس سياسي كوردستاني” أو “هيئة تنسيقية” أو “جبهة كوردستانية” في بغداد. تكلمنا كثيراً، لكن على أرض الواقع لم يُنفذ شيء، لأنني لا أستطيع إجبارهم.
ژینو محمد: ما هو جوهر الخلاف بين الكورد في بغداد؟
د. فرهاد أتروشي: الخلاف يرتكز على نقطتين: الأولى: أن أساس المشاكل والخلافات موجود في إقليم كوردستان وليس في بغداد. للأسف، الأوامر تأتي من كوردستان، وكل طرف يصدر بيانات ويصرح ضد الآخر في بغداد بناءً على توجيهات قياداته في الإقليم.
الثانية: الصراع على المناصب والمكاسب. الكورد لديهم حوالي 5 أو 6 جهات سياسية في بغداد، وحجم المناصب المخصصة للكرد قليلة أساساً، مما يخلق صراعاً محتدماً عليها.
ژینو محمد: دعنا ننتقل إلى النقطة الأهم. أنت متهم بأنك لم تكن حازماً بما يكفي في الدفاع عن منصب “رئيس أركان الجيش العراقي” الذي كان من حصة الكورد وتم تمريره لغيرهم. يقال إنك لم تفتعل “مشكلة” لمنع ذلك؟
د. فرهاد أتروشي: هل المطلوب مني أن أكون شخصاً “مشكلجياً” أو مثيراً للشغب؟ أنا لم أفتعل شجاراً طوال مسيرتي، بل أسجل اعتراضاتي بشكل قانوني ورسمي ومسموع.
سأوضح لكِ ما حدث بالتفصيل؛ قبل الجلسة اتصل بي رئيس البرلمان هیبت الحلبوسي وقال إن هناك طلباً لإدراج تثبيت رئيس أركان الجيش العراقي في جدول الأعمال. سألته عن العجلة في ذلك، فأجاب بأن الرجل قدم تضحيات. طلبت منه تأجيل الموضوع لأنه معقد.
في اليوم التالي، لم يكن الموضوع مدرجاً في جدول الأعمال المنشور. لكن لاحقاً، تفاجأت بطلب من كتل شيعية وسنية لإدراجه. ذهبت لاجتماع هيئة الرئاسة واعترضت بشدة، وقلت هذا استحقاق كوردي. لا مشكلة لدي مع الشخص المرشح، ولكن كمبدأ، هذا استحقاقنا. الأطراف الأخرى أصرت، وللأسف تم استخدام “الحيلة” لتمرير القرار.
ژینو محمد: كيف تم تمرير القرار إن كنت معترضاً؟
د. فرهاد أتروشي: أثناء الجلسة، وبعد نقاشات حول مواضيع أخرى مثل وضع السجون وداعش، تم فجأة إخراج أوراق التصويت. فتحت الميكروفون واعترضت بشدة وقلت إن هذا غير مقبول. طلبت من الكتل الكوردية (التي ذهبت إليهم قبل الجلسة وحذرتهم) أن يرفضوا. لكن في غضون دقيقتين وبقراءة سريعة، تم تمرير المنصب مع منصب آخر. نحن ككورد لم نتنازل، ولكن تم فرض الأمر الواقع علينا. وقد اتخذنا إجراءات قانونية وقدمنا شكوى للمحكمة الاتحادية، وإذا لزم الأمر سأسجل اعتراضي رسمياً ضد هذا الإجراء.
ژینو محمد: ماذا عن توزيع اللجان البرلمانية؟ هناك اتهامات بأن الكورد يُهمشون هناك أيضاً.
د. فرهاد أتروشي: هذا ملف خطير جداً. هناك حوالي 10 لجان برلمانية تُعتبر “لجان أ،” وهي الأهم (مثل الأمن والدفاع، المالية، النزاهة، النفط). الشيعة يريدون أغلبية مطلقة في هذه اللجان. على سبيل المثال، اللجنة تتكون من 19 عضواً، هم يطالبون بـ 11 مقعداً للشيعة، و5 للسنة، و3 فقط للكورد!
قلت لهم بصراحة: إذا كنتم تطلبون الأغلبية في كل شيء بناءً على عدد مقاعدكم، فما حاجتنا نحن السنة والكورد للبقاء في بغداد؟ إذا لم تمنحونا حقوقنا، فسأنسحب. هم يريدون السيطرة على كل اللجان التي تتعلق بالأمن والمال، وهذا أمر نرفضه تماماً لأنه يهمش الكورد ويفرغ التوافق من مضمونه.
ژینو محمد: بالنسبة لمنصب رئيس الجمهورية، لماذا لم يُحسم حتى الآن؟ وهل تتدخل الأطراف الشيعية (الإطار التنسيقي) في هذا الملف؟
د. فرهاد أتروشي: نعم، بكل تأكيد. الأطراف الشيعية (خاصة الإطار التنسيقي) تتدخل بشكل مباشر. هم يستغلون الخلاف بين الحزبين الكورديين (الديمقراطي والاتحاد الوطني). بعضهم يدعم مرشح الاتحاد، والبعض الآخر يميل للديمقراطي. نحن في الحزب الديمقراطي الكوردستاني نرفض هذا التدخل ونقول لهم: “لا تتدخلوا في شأن كوردي، كما لا نتدخل نحن في اختيار رئيس الوزراء الشيعي”.
لكن للأسف، طالما أن الكورد غير متفقين على مرشح واحد (مرشح تسوية)، فإن الأطراف الأخرى ستستمر في التدخل وفرض إرادتها، وهذا يضعف موقفنا جميعاً.
ژینو محمد: في الختام، بعيداً عن السياسة، كيف ترى الوضع الاقتصادي وتأثيره على ملف الموازنة ورواتب الإقليم؟
د. فرهاد أتروشي: الوضع الاقتصادي في العراق سيء جداً وخطير. في اجتماعات ائتلاف إدارة الدولة، تم مناقشة موضوعين رئيسيين: الأول سياسي إقليمي، والثاني اقتصادي. وقد أكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن الوضع المالي صعب جداً.
رسالتي هنا: إذا كان وضع العراق المالي سيئاً، فإن وضع إقليم كوردستان سيكون أسوأ بكثير إذا لم نكن أقوياء وموحدين في بغداد. النوايا السيئة تجاه الإقليم موجودة، وإذا اقترنت بضعف مالي وعدم وحدة صف كوردي، فإن العواقب ستكون وخيمة على المواطن الكوردي.
ژینو محمد: الدكتور فرهاد أتروشي، نائب رئيس مجلس النواب العراقي، شكراً جزيلاً لشفافيتك وصراحتك معنا في هذا اللقاء.
د. فرهاد أتروشي: شكراً لكم، ويسعدني دائماً التواصل معكم.
ژینو محمد: وشكراً لمتابعتكم مشاهدينا، إلى اللقاء في حوارات قادمة.
نقلا عن موقع K24