شريف الشافعي
يأبى الشاعر العراقي فاضل السلطاني في تجربته الممتدة على مدار أكثر من 40 عاماً أن تسرقه غربته، فلا ينفك يؤسس تواصله الخاص مع أعماق الذات وفضاءات الخارج من خلال القصيدة المتمردة التي يسكنها وتسكنه، وعبر الترجمة التي يتحسس بها ظلال الآخر، في عالم لا شيء فيه يبدو مكتملاً.
غادر الشاعر فاضل السلطاني العراق عام 1977 إلى المغرب، ومنها بعد عامين إلى الجزائر، ثم إلى سوريا عام 1985، قبل أن ينتهي به المقام الأخير في لندن منذ عام 1994. وقد جاءت مختاراته الشعرية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد بعنوان “عند منتصف الذاكرة”، متضمنة نصوصاً تعود لما قبل الارتحال، وخلال محطات الاغتراب المتتالية، وهي منتقاة من مجموعاته الشعرية “ألوان السيدة المتغيرة” و”لا أحد يعود” و”محترقاً بالمياه” و”النشيد الناقص” وغيرها.
يحتفي السلطاني في سلسلة دواوينه بما يمكن تسميته شعرية التقاطعات، على مستوى الأزمنة والأمكنة، فهو يضم الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة مشحونة بالوعي الكثيف، ويحتوي شتات الأمكنة في نقطة مشتركة هي مركز الذاكرة. هو ينشد العلاقة، لا القطيعة، مع ذاته والآخر والعالم حتى وهو يكابد محنة التمزق النفسي والاغتراب الجغرافي والوجودي. وانطلاقاً من هذه الرغبة في البقاء على صلة وثيقة بالحياة والأحياء على رغم كابوسية المشهد المحيط، فإن السلطاني، الدارس للأدب الإنجليزي والحاصل على الماجستير في الأدب المعاصر، في ترجماته المتنوعة أيضاً لإليوت ووليم تريفور وتوني موريسون وميروسلاف هولوب وغيرهم، ينخرط في الجدليات والحوار الإيجابي منحازاً إلى القيم الإنسانية والفنية المجردة في ذلك الصراع التاريخي والأخلاقي الذي لا ينتهي بين القبح والجمال، والحب والحرب، والنور والظلام، ذلك أنه “طوال الحياة، ظلت الأغنية، تتشبث بالجدران”، كما يقول في قصيدة له.
“يعود الجنود من الحرب”، وينجبون بنات “يلون النباتات ويلهون بالعصافير حتى يمرضن من الحب”، ثم “يعود الجنود للحرب” من جديد، وهذا العالم المتقاتل المتصارع من حولنا لا يتغير. لكأن الشاعر فاضل السلطاني يتحدى قبح العالم ببحثه عن الجمال، ليس فقط عند منتصف الذاكرة، وإنما في الذاكرة كلها، أهو كائن الشعر، الحقيقي والخرافي معاً، الذي يبقي الأمل دائماً نافذة مفتوحة في جدار الدموية والكراهية والسواد!
في حديثه لـه: “أؤمن بأن الجمال سينقذ العالم يوماً ما، ولو بعد قرون. هو صراع تاريخي وأخلاقي مرير بين القبح والجمال، منذ هوميروس إلى آخر شاعر، ومن ثرفانتيس إلى آخر روائي. صحيح أن القبح هو الغالب الآن، وقد يستمر طويلاً، كما هو واضح، متجسداً في حروب مجنونة هنا وهناك، ومجازر وإبادات جماعية، وتوحش رأسمالي، وصعود شعبوية جاهلة، وتسطيح وتفاهة، لكن هذا الوضع المريع لا يمكن أن يستمر طويلاً، لأنه لا مستقبل له سوى البربرية“.
الغربة والشعر المهجري
وفي رحلته الطويلة البعيدة، لا يزال فاضل السلطاني يقف على نهر بابل، يبكي عشباً وطيراً ونباتاً وسمكاً وماء ومراكب وصيادين. فإلى أي مدى يستشعر الاغتراب المكاني والنفسي والوجودي كمقيم في الخارج منذ سنوات طويلة؟ وهل يرى ملامح خاصة يمكن تسميتها في الشعر العربي المهجري الراهن، إذا جاز هذا التعبير في الأساس؟
يوضح السلطاني أن الغربة الإجبارية، وهي غربة كثير من المثقفين العرب الآن، مختلفة تماماً عن الغربة الاختيارية، التي عرفها أهل الشام، خصوصاً اللبنانيين الذين هاجروا إلى الأميركيتين (الشمالية والجنوبية) فيما بين 1870 حتى أواسط 1900، أمثال جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وغيرهم، وأسهموا من هناك في تطوير الأدب العربي.
الغربة الإجبارية، يقول: ((تفتقد إلى عنصر الحرية، وهو الأساس في أي مسعى إلى تحقيق شيء ما. تسرق هذه الغربة الوطن والأهل والأصدقاء، وتقطع تطور المبدع الطبيعي. إنها تسرق أرضيته الصلدة التي يمكن أن ينطلق منها، أو يسقط رأسه عليها إذا سقط، إذ إن ارتفاعه أو سقوطه محكومان بعوامل جديدة عليه، يصنعها آخرون غريبون تماماً، وهو مجرد ضيف طارئ عليهم. إنها ليست أرضيته مهما وقف عليها سنوات، كما أن التاريخ ليس تاريخه، مهما عرفه نظرياً)).
ظل الشاعر ثائراً دائماً، حتى “من مقعده النائي في الكون”، فالتجديد الشعري هو التمرد والانفلات وكسر أفق التوقع. ومن جانب آخر، فالثورات العربية التي مضت تتلاحق على أرض الواقع أعادت تشكيل ذائقة الكتابة الشعرية والإبداعية عموماً، وذائقة التلقي لدى الجمهور. كيف يجد فاضل السلطاني ذلك التفاعل أو تلك العلاقة بين “ثورة القصيدة” بالمعنى الجمالي المجرد، و”قصيدة الثورة”، بمعنى انخراط الإبداع مباشرة في الفعل الحي والميداني؟
يشير السلطاني إلى أن سنة الربيع العربي 2011 كانت فارقة نسبياً في التاريخ العربي المعاصر، مهما اختلفنا في أسباب أحداثها ومساره ومآله، فقد كانت نهاية مرحلة، وبداية أخرى، إن لم يكن في الواقع، ففي الوجدان والذهن، شيء ما تشكل في الأعماق. وربما يكون الدرس الأهم هو أن الإنسان المهزوم، المسحوق، قادر على اقتحام السماء. ويقول “أعتقد أن الثيمة الكبرى التي ستهيمن على معظم النتاج المعرفي العربي في القادم من الزمن ستنطلق من وعي هذه الحقيقة، التي قد لا تكون وضحت صورها بعد، ولكن هذه هي مهمة الأدب بالضبط، أن يكشف لنا عما لا نراه، ويستخرج ما تحت السطح إلى ضوء الشمس، مشكلاً رؤانا ووعينا ووجداننا من جديد، وبالتالي يمنحنا ولادة جديدة“.
وهم العالمية
تبدو الترجمة، من العربية وإليها، في حالة ارتباك، لندرة المؤسسات الحكومية والرسمية التي تتولى شؤونها وتدعمها، وزهد دور النشر الخاصة في نشر المترجمات، وغياب الاستراتيجيات والمشاريع المحكمة في شأن الترجمة، وقلة المترجمين المتمرسين وضعف أجورهم، وغياب قوانين حقوق المؤلفين والملكية الفكرية، وأمور أخرى كثيرة.
بسؤال فاضل السلطاني في ضوء خبرته في هذا المجال، عن رؤيته حول سبل النهوض بالترجمة، خصوصاً من العربية إلى لغات أجنبية، لتعزيز التواصل مع الآخر، يشير إلى أن الترجمة تبدو وقد انتعشت نسبياً في الفترة الأخيرة، إذ ترجمت إلى العربية كتب كثيرة، وغالباً عن اللغات الأصلية، في الفكر والفلسفة والثقافة عموماً، ولو أن الرواية تجيء في أعلى القائمة. وغالب هذه الترجمات صدرت عن دور خاصة، مثل المدى وخطوط وظلال وتكوين والجمل والمتوسط وغيرها. وجاءت معظمها بمبادرات من مترجمين مجتهدين وشغوفين، لا يتقاضون في أحوال كثيرة ما يتناسب مع جهودهم. ويبقى غياب قوانين حقوق المؤلفين والملكية الفكرية، المشكلة الأكبر. ولكن حصل بعض التطور فيما يخص هذا الجانب، بخاصة بعد انتشار الإنترنت، فبدأت بعض دور النشر العربية تحرص على شراء حقوق النشر من المصادر الأصلية.
أما فيما يخص ندرة المؤسسات الحكومية والرسمية، التي تتولى شؤون الترجمة وتدعمها، فيرى السلطاني أن يقتصر دور هذه المؤسسات على الدعم فقط، كما يحصل في الغرب، من خلال مجالس الفنون والآداب، إن وجدت، والمؤسسات الأهلية، وتسهيل حركة الكتاب والمنتج الثقافي عموماً، لا أن تتولى شؤون الترجمة، إذ ستدخل هنا الاعتبارات السياسية والرقابية، والمزاجية والانتقائية.
