السياسة الروسية الخارجية تجاه الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي

د. حيدر فاروق السامرائي

شهد النظام الدولي منذ عام 2011 تحولات عميقة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي التي أعادت رسم الخريطة السياسية في عدد من الدول العربية، وأثرت بصورة مباشرة في توازنات القوى الإقليمية والدولية. وقد وجدت روسيا نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة صياغة أدواتها واستراتيجياتها في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل تراجع بعض الأنظمة وصعود قوى سياسية جديدة، وتنامي أدوار الفاعلين غير الدوليين، وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية.

تاريخياً، ارتبطت السياسة الروسية تجاه العالم العربي بإرث الاتحاد السوفيتي الذي سعى إلى بناء تحالفات مع عدد من الدول العربية في إطار الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، شهد الدور الروسي تراجعاً ملحوظاً خلال تسعينيات القرن الماضي، غير أن وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة مثّل نقطة تحول في إعادة الاعتبار للدور الروسي على الساحة الدولية، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط.

مع اندلاع الثورات العربية، تبنت روسيا موقفاً حذراً تجاه موجة التغيير السياسي، انطلاقاً من قناعتها بأهمية الحفاظ على استقرار الدول وعدم السماح بانهيار مؤسساتها، وهو موقف يعكس تخوفها من تكرار سيناريوهات الفوضى التي قد تفتح المجال أمام الحركات المتطرفة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الموقف الروسي من الأزمة السورية، حيث اعتبرت موسكو أن إسقاط النظام بالقوة سيؤدي إلى تفكك الدولة وانتشار الإرهاب.

الأزمة السورية شكلت حجر الزاوية في السياسة الروسية الجديدة تجاه المنطقة العربية. فقد استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن عدة مرات لمنع صدور قرارات تدين الحكومة السورية أو تشرعن التدخل العسكري ضدها، ثم تطور الأمر إلى تدخل عسكري مباشر عام 2015 بطلب من الحكومة السورية. هذا التدخل لم يكن مجرد دعم لحليف تقليدي، بل رسالة واضحة بعودة روسيا لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، وقادراً على التأثير في موازين القوى الإقليمية.

إلى جانب سوريا، سعت روسيا إلى توسيع شبكة علاقاتها مع عدد من الدول العربية، سواء تلك التي شهدت تغيرات سياسية أم التي حافظت على استقرارها. فقد عززت موسكو تعاونها مع مصر في مجالات الطاقة والتسليح، كما طورت علاقاتها مع دول الخليج العربي، خاصة في إطار التنسيق النفطي ضمن صيغة أوبك بلس، التي جمعت روسيا مع المملكة العربية السعودية في إدارة سوق النفط العالمي.

اقتصادياً، أدركت روسيا أهمية البعد الاقتصادي في سياستها الخارجية، فعملت على توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة النووية، والاستثمارات، والبنية التحتية، والتجارة. كما سعت إلى تقديم نفسها شريكاً بديلاً أو مكملاً للغرب، مستفيدة من بعض التوترات بين الدول العربية والولايات المتحدة. هذا التوجه عزز من حضور الشركات الروسية في مشاريع استراتيجية داخل المنطقة.

أما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد اتخذت السياسة الروسية بعد الربيع العربي طابعاً عملياً يقوم على مبدأ البراغماتية، إذ تعاملت موسكو مع مختلف الأطراف، بما في ذلك حكومات وقوى سياسية متباينة التوجهات. ففي ليبيا، على سبيل المثال، حافظت روسيا على قنوات اتصال مع أطراف متعددة، ساعية إلى حماية مصالحها الاستراتيجية والحصول على موطئ قدم في شمال أفريقيا.

كما أولت روسيا اهتماماً متزايداً بقضايا مكافحة الإرهاب، خاصة مع عودة بعض المقاتلين المتطرفين إلى مناطق القوقاز وآسيا الوسطى. ومن هذا المنطلق، اعتبرت موسكو أن استقرار الدول العربية يمثل خط دفاع متقدم عن أمنها القومي. لذلك دعمت مسارات التسوية السياسية التي تضمن بقاء مؤسسات الدولة، ورفضت سياسات تغيير الأنظمة بالقوة.

في الوقت نفسه، استفادت روسيا من حالة الانكفاء النسبي للولايات المتحدة عن بعض ملفات المنطقة، لتملأ الفراغ السياسي والدبلوماسي. فقد لعبت دور الوسيط في بعض الأزمات، وسعت إلى بناء توازنات دقيقة بين خصوم إقليميين، بما يضمن تحقيق مصالحها دون الانخراط في صراعات مباشرة واسعة النطاق.

الإعلام والدبلوماسية العامة شكلا أيضاً أدوات مهمة في السياسة الروسية تجاه العالم العربي بعد الربيع العربي. فقد عززت موسكو حضورها الإعلامي عبر قنوات ناطقة بالعربية، وسعت إلى التأثير في الرأي العام العربي من خلال خطاب يركز على احترام السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي.

ورغم النجاحات التي حققتها روسيا في إعادة تثبيت حضورها الإقليمي، فإن سياستها لم تخلُ من تحديات. فالعقوبات الغربية المفروضة عليها منذ عام 2014، ثم تصاعدها لاحقاً، أثرت في قدرتها الاقتصادية، كما أن تعدد الأزمات في المنطقة يفرض عليها موازنة دقيقة بين الطموح والإمكانات. إضافة إلى ذلك، فإن تعقيد المشهد العربي بعد الثورات يجعل من الصعب بناء تحالفات طويلة الأمد على أسس ثابتة.

من ناحية أخرى، أظهرت السياسة الروسية مرونة في التعامل مع التحولات الداخلية في الدول العربية. فلم تربط موسكو علاقاتها بطبيعة النظام السياسي بقدر ما ركزت على المصالح المشتركة. هذا النهج البراغماتي منحها قدرة على التواصل مع طيف واسع من الفاعلين، سواء كانوا حكومات انتقالية أو أنظمة قائمة.

يمكن القول إن ثورات الربيع العربي شكلت فرصة وتحدياً في آن واحد للسياسة الروسية الخارجية. فمن جهة، أتاحت لموسكو استعادة موقعها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى، فرضت عليها التعامل مع بيئة إقليمية مضطربة ومعقدة. وقد سعت روسيا إلى استثمار هذه التحولات عبر مزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، مستندة إلى رؤية تقوم على تعددية الأقطاب ورفض الهيمنة الأحادية.

المستقبل سيظل مرهوناً بقدرة روسيا على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وبمدى نجاحها في الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف العربية، خاصة في ظل استمرار الأزمات والتنافس الدولي في المنطقة. إلا أن المؤكد أن مرحلة ما بعد الربيع العربي كرست عودة روسيا لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلات الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا