أربيل – التآخي
في ظل تصاعد القلق من هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها شبه المطلق على النفط، تتكثف الإشارات السياسية والحكومية إلى أن البلاد تقف أمام منعطف مالي حساس، يتطلب قرارات صعبة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، تحسبا لأي صدمة قد تضرب أسواق الطاقة بفعل التوترات الإقليمية أو الأزمات الدولية.
النائب جاسم العلوي وصف المشهد بـ”المؤشر القوي والمخيف”، في إشارة إلى استمرار ارتهان الموازنة العامة لعائدات النفط، مؤكدا أن هذا الاعتماد الكلي يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، ويضع الاستقرار المالي أمام اختبارات غير مضمونة النتائج.
وأشار العلوي إلى أن القلق من احتمال وقوع أزمة اقتصادية دفع إلى الخوض في ملفات حساسة، منها الدرجات الخاصة وآليات احتساب الشهادات والقضايا المالية المرتبطة بها، لافتًا إلى أن جانبًا من الإصلاح يرتبط بإعادة ضبط التعيينات، ولا سيما في ما يتعلق بالمستشارين.
وبيّن أن مبدأ المحاصصة في بعض الاختيارات أفرز خللا واضحا، تمثل في تكليف أشخاص لا يمتلكون المؤهلات والخبرة الكافية، ما انعكس سلبا على الأداء المؤسسي.
وشدد العلوي على ضرورة تحسين وضع الاقتصاد العراقي وتقوية قدرته المالية من خلال إدارة أفضل للموارد وتعظيم الإيرادات، بما يسهم في تحقيق تحولات اقتصادية تضمن استقرار الوضع العام.
وفي موازاة هذه التصريحات، أعلن مكتب رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني عن حزمة إجراءات لدمج وتنظيم تشكيلات المكتب، شملت إنهاء عقود عدد من المستشارين والخبراء، ضمن مسار ضغط النفقات وتنشيط الأداء، في خطوة تترافق مع إجراءات ترشيد واسعة في أبواب الموازنة التشغيلية، مع التشديد على جميع المؤسسات الحكومية بضرورة الالتزام بقرارات مجلس الوزراء الخاصة بتقليل الإنفاق وتعظيم الموارد.
وتزامنت هذه الإجراءات مع قرارات تقشفية اتخذها مجلس الوزراء العراقي خلال جلسته الاعتيادية الأولى في 7 كانون الثاني 2026، استنادًا إلى توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد. وشملت الحزمة تخفيض حصص الوقود للسيارات الحكومية إلى 50%، وبيع السيارات العاطلة والمتروكة، واعتماد الشهادة الدراسية الأولى للموظف دون احتساب الشهادات اللاحقة، وإيقاف الإجازات الدراسية والابتعاث الخارجي لمدة خمس سنوات، فضلًا عن إيقاف التنقلات بين الوزارات وفرض أجور خدمة لحماية الجهات غير الحكومية.
وفي منتصف كانون الثاني، قررت الحكومة إلغاء قرار سابق يمنح حملة الشهادات العليا مخصصات إضافية بنسبة 50%، مع توجيه وزارتي التعليم العالي والصحة باقتصار مخصصات الخدمة الجامعية على المتفرغين للتدريس فقط، في خطوة تهدف إلى ضبط الإنفاق وتحفيز الإنتاج الفعلي داخل المؤسسات التعليمية.
المشهد بمجمله يعكس انتقالا من مرحلة التحذير السياسي إلى التنفيذ الإداري، وسط مساعٍ لإعادة هندسة الإنفاق الحكومي وتوجيهه نحو أولويات أكثر انضباطًا. غير أن التحدي الأبرز يبقى في قدرة هذه الإجراءات على تحقيق توازن دقيق بين التقشف والحفاظ على الاستقرار المعيشي، خصوصا في اقتصاد لم ينجح بعد في تنويع موارده بعيدا عن النفط.