محمد علي محيي الدين
في ذاكرة العراق، حيث تتشابك الأنهر بالتواريخ، وتلتقي الديانات على ضفاف المحبة، يطلّ وجه الشاعر والقاص والمحامي أنور شاؤول، أحد أبرز أبناء الحلة الفيحاء، وأحد الرموز الثقافية التي جمعت بين عبق بابل القديمة وروح بغداد الحديثة. ولد عام 1904 في مدينة الحلة، مدينة الفرات والخرائب التاريخية، وتفتح وعيه على فضاء يجمع بين الحكاية والشعر والحنين.
درس في مدرسة الأليانس ثم أكمل الثانوية في بغداد، وفي عام 1931 تخرّج من كلية الحقوق ليبدأ حياة تتنازعها المحاماة والأدب والصحافة. أصدر في عام 1929 مجلته الشهيرة «الحاصد» التي وُلدت أدبية أسبوعية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى منبر للفكر الحر، ومزرعة للوعي الثقافي العراقي في زمن كان العراق فيه يخطو نحو نهضته الحديثة.

لم يكن شاؤول مجرّد شاعر أو قاص، بل كان ضميرًا عراقياً صافيًا، يهودي الديانة، عربيّ اللسان، عراقيّ الانتماء. كتب عنه جعفر الخليلي في كتابه «القصة العراقية قديمًا وحديثًا» وعدّه من روّاد القصة الحديثة في العراق، إذ تميّزت قصصه بالبعد الإنساني العميق وباللغة الموشّاة بالصدق والعاطفة.
من مجموعاته القصصية: الحصاد الأول وفي زحام المدينة، وله ديوان شعر بعنوان همسات الزمن، كما ترجم قصصًا غربية تحت عنوان قصص الغرب، وكتب في سبيل الحرية وأربع قصص صحية، ثم أرخ لسيرته في كتابه المؤثر قصة حياتي في بلاد الرافدين (1980)، أعقبه بكتاب وبزغ فجر جديد عام 1983.
بين الحلة وبغداد… نداء الوطن
على الرغم من انتقال عائلته إلى بغداد عام 1916، ظلّ الحنين إلى الحلة يسكن أعماقه. كتب عن مدينته بشغف العاشق الذي ترك قلبه على ضفة الفرات:
يا ديارًا حبها تيَّمني لك في قلبي غرامٌ أبدي
يا فُراتا ماؤه قد لذَّ لي لك إني عطشٌ من آمِدِ
وفي قصيدته عن أمه التي فقدها صغيرًا، يبوح بأن الوجع الأول لا يُنسى:
أماهُ عيني بكِ ما متعتُها ولم يحزّ منكِ فمي قبلة
وعيشتي بعدكِ ما أينعتْ والقلب يا أُمُّ شجٍ علّة
الصحافة والقانون… وميلاد الحرف الحر
عمل أنور في الصحافة منذ شبابه، فكتب في جريدة الصباح الأسبوعية تحت اسم مستعار هو «ابن السموأل»، في إشارة رمزية إلى الوفاء. وبعد تخرجه في كلية الحقوق مارس المحاماة، لكنه ظل مشغولاً بالكلمة، فأنشأ شركة للطباعة أسهمت بطبع مؤلفات مهمة، منها كتب المؤرخ عباس العزاوي، وكتابات مصطفى جواد وبلند الحيدري والشيخ جلال الحنفي وحسين مردان وغيرهم.
كانت مطبعته كأنها وطنٌ مصغّر للحروف، تنبض بالحياة رغم القيود والمراقبة والتمييز الذي أحاط بالجالية اليهودية العراقية في العقود التالية.
صوت التسامح في زمن الحروب
امتلك أنور شاؤول حسًّا إنسانيًا رفيعًا، دعا إلى السلام ورفض الحرب والتمييز، ووقف ضد النازية، فكتب يقول:
نظامٌ أقاموه على النار والدم وفيه استباحوا كل فعلٍ محرَّمِ
لقد سنّه طاغٍ غشومٌ مسيطرٌ وأسلمه في كف باغٍ ومجرمِ
ورغم ما مرّ به من تضييق واضطهاد، ظلّ مؤمنًا بالعراق وأبنائه، فحين اشتدت نكبة يهود العراق بعد حرب حزيران 1967، وأُغلقت الأبواب بوجههم، نظم قصيدته الخالدة التي صارت بيانًا للوفاء والإنسانية:
إن كنتُ من موسى قبستُ عقيدتي فأنا المقيم بظل دينِ محمدِ
وسماحة الإسلام كانت موئلي وبلاغة القرآن كانت موردي
ما نال من حبي لأمةِ أحمدٍ كوني على دينِ الكليم تعبّدي
سأظلُّ ذياكَ السموألَ في الوفا أسعدتُ في بغداد أم لم أُسعدِ
المنفى… والنخل الذي لا يجفّ
في السبعينات، حين ضاق به وطنه الذي أحبّه، اضطر أنور شاؤول إلى مغادرة العراق نحو بريطانيا، بعد أن خنقته الملاحقات الأمنية وفقد أحبّاءه. ومع ذلك، لم يترك العراق إلا جسدًا، إذ ظلّ قلبه مسكونًا بالفرات ونخيله وأهله. وفي منفاه كتب سيرته الذاتية قصة حياتي في بلاد الرافدين، مقدّمة بشهادة الأديب شموئيل موريه الذي قال في مقدمتها:
“إن ذكريات الأستاذ أنور شاؤول تروي قصص الآلاف من يهود العراق الذين أخلصوا لبلادهم وخدموها بإخلاص، فكان جزاؤهم جزاء سنمّار.”
في تلك الصفحات يروي أنور طفولته في الحلة، وحادثة رضاعه من جارة مسلمة تدعى أم عبد الهادي، رمزًا للأخوة التي جمعت العراقيين قبل أن تفرقهم السياسات، فيقول إن لبنها بقي يسري في عروقه كما يسري الفرات في مجراه.
صوت منسي في ذاكرة الوطن
أنور شاؤول لم يكن يهوديًا يكتب بالعربية فحسب، بل كان عراقيًا خالصًا كتب بحبر العراق، وكان شعره امتدادًا لتلك الروح المتصالحة التي جمعَت في آنٍ واحد بين موسى ومحمد، وبين المعابد والمساجد.
كان آخر السموئيليّين في بلاد الرافدين، يرفع لواء الوفاء والإنسانية، ويرى أن الوطن لا يُختصر بدين أو مذهب، بل هو تلك الأرض التي تمنح أبناءها ظلّها وإن أنكروها.
توفي في 14 كانون الأول 1984، غريبًا كئيبًا، وبقيت قصائده وشهاداته وثيقةً لجيلٍ جمعه العراق وفرّقته السياسة، لكنها تشهد إلى اليوم أن هذا البلد، مهما عصفت به العواصف، لا يزال ينجب أبناء مثل أنور شاؤول، يحملون القلم كرايةٍ للإنسان والوطن، ويبقون — كما السموأل — أوفياء حتى النهاية.