مبدأ التوازن الدستوري في القيادة العليا للقوات المسلحة العراقية بعد 2003: دراسة دستورية لقرار مجلس النواب بشأن تعيين رئيس أركان الجيش

د. ابراهيم الشرفاني
استاذ مساعد- قانون الدستوري والنظم السياسية

المقدمة
يشكّل مبدأ التوازن الدستوري أحد الركائز الأساسية للنظام السياسي العراقي بعد عام 2003، إذ لم يعد التنوع المجتمعي مجرد واقع اجتماعي، بل أصبح قاعدة دستورية مُلزمة تُنظّم تشكيل السلطات العامة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
وفي هذا السياق، عقد مجلس النواب العراقي جلسته العاشرة للدورة الانتخابية السادسة بتاريخ 17 شباط 2026، وصوّت خلالها على تعيين رئيس أركان الجيش العراقي، الأمر الذي يثير إشكالية دستورية مزدوجة:

1. مدى دستورية القرار الصادر عن مجلس النواب.

2. مدى التزام المجلس بمبدأ التوازن الدستوري في تشكيل القيادة العليا للقوات المسلحة.

تنبع أهمية هذه الإشكالية من كون تعيين رئيس أركان الجيش يمثل اختباراً عملياً لاحترام مبدأ التوازن الدستوري، ويضع القضاء الدستوري أمام مسؤولية حماية النصوص الدستورية من التفسير الانتقائي أو التسييس المؤسسي، بما يضمن استقرار الدولة ووحدة مؤسساتها.

أولاً: الأساس الدستوري والفلسفي لمبدأ التوازن
تنص المادة (9/أولاً/أ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على أن:( تتكون القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي بما يراعي توازنها وتمثيلها دون تمييز أو إقصاء ).
يترتب على هذا النص عدة أبعاد دستورية وفلسفية وأكاديمية مترابطة:

1. البعد الدستوري:
– يُعد مبدأ التوازن قاعدة إلزامية تُقيّد أي خيار سياسي متعسف، حيث يفرض قيودًا واضحة على المشرّع والسلطة التنفيذية، ويضمن حياد المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.
– ارتباط هذا المبدأ بمبدأ سمو الدستور الوارد في المادة (13) يجعله معياراً أساسياً للرقابة الدستورية على جميع القرارات العامة، ويؤكد التزام الدولة بحماية الحقوق الفردية والجماعية، بما يعزز سيادة القانون واستقلال مؤسسات الدولة.

2. البعد الفلسفي:
– يرتكز مبدأ التوازن على نظرية العدالة التوزيعية، التي تؤكد ضرورة التوزيع العادل للفرص والموارد بين جميع مكونات المجتمع.
– يستند أيضًا إلى نموذج الديمقراطية التوافقية، الذي يهدف إلى مشاركة جميع المكونات في السلطة ومنع احتكارها.
يتضح من ذلك أن مبدأ التوازن ليس مجرد آلية تنظيمية، بل قاعدة فلسفية ودستورية متكاملة تشكل دعامة أساسية للدولة القانونية الديمقراطية.
في السياق العراقي، لا يقتصر التوازن على التمثيل العددي للمكونات فحسب، بل يمتد ليشمل التمثيل الوظيفي والتوزيع القيادي، وضمان عدم هيمنة أي مكوّن على القوة العسكرية.
وعليه، فإن سلطة مجلس النواب في هذا المجال سلطة تقديرية مقيدة، وليست مطلقة.

ثانياً: تحليل القرار في ضوء أركان المشروعية الدستورية
يقوم القرار التشريعي الصحيح دستورياً على نوعين من الأركان الأساسية:

1. الأركان الشكلية:
تشمل الاختصاص والإجراءات، مثل النصاب القانوني وآلية التصويت. فإذا استُوفيت هذه المتطلبات، يُعد القرار صحيحًا من الناحية الشكلية.

2. الأركان الموضوعية:
تشمل:
– المحل: مضمون القرار نفسه.
– السبب: المبررات الواقعية والقانونية للقرار.
– الغاية: الهدف الدستوري المرجو من القرار.
في إطار مبدأ التوازن الدستوري، تقتضي الأركان الموضوعية ما يلي:
– محل القرار: أن يجسّد التوازن بين مكونات الشعب في القيادة العليا للقوات المسلحة.
– سبب القرار: أن يستند إلى معايير مهنية ووطنية موضوعية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
– غاية القرار: أن تستهدف تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك المؤسسي للقوات المسلحة.
بتطبيق ذلك على القرار محل الدراسة، يُلاحظ أن مجلس النواب لم يُراعِ مبدأ التوازن بين المكونات، كما استند إلى اعتبارات غير موضوعية، مما أدى إلى إقصاء ( المكوّن الكوردي ) من مواقع القيادة العليا.
وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق أكدت في قرارها المرقم (110/اتحادية/2019) أن النظام الدستوري العراقي يقوم على التعددية وضمان مشاركة جميع المكونات في السلطة.
وعليه، نستنتج أن القرار محل الدراسة يكون مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة ومخالفاً لأحكام الدستور، مما يجعله باطلاً دستورياً وقابلاً للإلغاء أمام القضاء الدستوري.

الخاتمة
مبدأ التوازن الدستوري في القيادة العليا للقوات المسلحة العراقية بعد 2003 ليس مجرد قاعدة قانونية، بل هو قلب الدولة الحديثة النابض بالشراكة والاعتراف المتبادل، وأي قرار برلماني يخالفه باطل دستورياً ويخول القضاء إبطاله. ومن هنا، يصبح من الضروري وضع معايير دقيقة لتطبيق المادة (9)، وتعزيز الرقابة القضائية على التعيينات العسكرية، وترسيخ فلسفة الشراكة الوطنية في المناصب السيادية، وإنشاء لجنة خبراء لمراجعة القرارات، ليصبح التوازن رمزاً لوحدة الدولة، وتحول القوة العسكرية من أداة للهيمنة إلى ضمان للعدالة والتعددية.

وأن الدولة العراقية لا تستقر إلا حين تُبنى مؤسساتها على احترام الدستور، والاعتراف بالمكونات الوطنية، ومبادئ الشراكة والتوازن والتوافق.

قد يعجبك ايضا