ماذا يعني فتح الإطار القانوني للتسوية مع حزب العمال الكوردستاني في تركيا؟

سالي علي

لا يمكن قراءة الخطوات التشريعية الأخيرة داخل المؤسسة السياسية التركية بوصفها إجراءً تقنيًا يخص ملفًا أمنيًا مزمنًا، بل باعتبارها مؤشرًا على مراجعة أعمق في فلسفة إدارة الصراع الكوردي داخل الدولة. فالموافقة البرلمانية على تقرير الإطار القانوني لعملية السلام تعكس انتقالًا – ولو تدريجيًا – من مقاربة (الاحتواء القسري) إلى مقاربة (إعادة الهيكلة السياسية للصراع).

هذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء النزاع، لكنه يكشف إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار بأن المعادلة الأمنية الصرفة استنزفت قدرتها على إنتاج الاستقرار طويل الأمد.

أولًا: الدوافع البنيوية خلف التحرك التركي

هناك ثلاثة مستويات ضغط تدفع أنقرة نحو هذا المسار:
1- الاستنزاف الداخلي طويل المدى
الصراع المستمر لعقود أثبت أن الحسم العسكري الكامل غير ممكن دون كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة.
2- البيئة الجيوسياسية المتغيرة
التحولات في سوريا والعراق خلقت واقعًا كورديًا إقليميًا لا يمكن تجاهله أو عزله بالكامل.
3- الحسابات الدولية
الالتزام بمعايير المؤسسات الأوروبية وحقوق الإنسان أصبح جزءًا من معادلة الشرعية الدولية لتركيا، خصوصًا في ملفات الاقتصاد والاستثمار.

ثانيًا: إعادة الدمج كأداة لإعادة تعريف الدولة

مفهوم (إعادة دمج المقاتلين) لا يقتصر على البعد الأمني، بل يحمل بعدًا سياسيًا عميقًا: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الكوردي من علاقة صراع إلى علاقة إدارة تنوع. هذا النوع من السياسات يُستخدم عالميًا عندما تصل الدول إلى قناعة أن الاستقرار لا يتحقق عبر الإقصاء بل عبر الاحتواء المؤسسي.

ثالثًا: الانعكاس الإقليمي المحتمل

أي تهدئة داخلية في تركيا ستنعكس مباشرة على ملفات:
•شمال سوريا
•التوازنات مع القوى الكوردية المسلحة
•ديناميات الصراع الحدودي

لأن العامل التركي كان دائمًا أحد المحددات الرئيسية لمعادلات القوة في تلك المناطق.

رابعًا: حدود التحول

مع ذلك، من الخطأ افتراض تحول جذري سريع. السياسة التركية تعمل غالبًا وفق مبدأ: التدرج الحذر زائد الحفاظ على أدوات الضغط. بمعنى أن المسار التشريعي قد يتقدم دون أن يترافق فورًا مع تغييرات ميدانية كبيرة.

التقدير الاستراتيجي

ما يجري ليس (سلامًا) بعد، بل إعادة ضبط لمعادلة الصراع. والأرجح أننا أمام مرحلة اختبار: إذا نجحت، قد تفتح بابًا لتحولات أوسع في القضية الكوردية إقليميًا. وإذا فشلت، قد تعود المقاربة الأمنية بأدوات أكثر صلابة.

قد يعجبك ايضا