بين جراح الواقع وضجيج السياسة

فريدة الحسني

في العراق، لا يأتي رمضان مجرد شهر في التقويم الهجري، بل يأتي كحالة وطنية عامة كأن البلاد بأسرها تدخل في هدنة روحية مع ذاتها في ظل واقع سياسي متقلب وضغوط اقتصادية خانقة وذاكرة مثقلة بصور الحروب والاضطرابات يصبح هذا الشهر أكثر من طقس تعبدي إنه محاولة سنوية لإعادة ترميم ما تصدع في الداخل

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

ليست الغاية جوع الجسد، بل يقظة الضمير وليس الهدف الامتناع عن الطعام، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وشهواته وبين المجتمع وأزماته

في هذا السياق يتجلى رمضان في العراق عبر بعدين جوهريين، صناعة الأمل وتكريس الصبر كقيمة اجتماعية جامعة

الأمل… فعل مقاومة هادئة

في مجتمع مر بمراحل قاسية من عدم الاستقرار يصبح الأمل ضرورة نفسية لا يمكن الاستغناء عنها والفيلسوف الألماني أرنست بلوخ كان يرى أن “الأمل هو المبدأ الذي يمنح التاريخ حركته” وفي رمضان يستعيد العراقي هذا المبدأ بصورة عملية

عندما تمتلئ المساجد بالمصلين وحين تتعالى أصوات الدعاء في ليالي الشهر، يتشكل شعور جمعي بأن ثمة معنى أكبر من تفاصيل الواقع المضطرب. تذكر الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يتحول من نص محفوظ إلى طاقة نفسية حية. إنها ليست مجرد وعد أخروي، بل قاعدة وجودية تعيد للإنسان توازنه أمام تعقيدات الحياة

الأب الذي يكد لتأمين لقمة الإفطار رغم ضيق الحال، والمتطوع الذي يوزع سلالاً غذائية في الأحياء الفقيرة، والشاب الذي يعاهد نفسه على بداية جديدة… هؤلاء لا يمارسون طقساً دينياً فحسب، بل يمارسون الأمل بوصفه سلوكاً يومياً، في هذه اللحظات يتحول الأمل إلى شكل من أشكال المقاومة الصامتة لليأس

وفي بلد عانى من الانقسام، يصبح اجتماع الناس على مائدة واحدة أو صلاة واحدة تعبيراً رمزياً عن وحدة ممكنة، حتى وإن بدت السياسة عاجزة عن تحقيقها

الصبر… إعادة تعريف القوة

إذا كان الأمل هو البوصلة، فإن الصبر هو الطريق. والصبر في رمضان ليس خطاباً وعضيا، بل تجربة معاشه من الفجر حتى الغروب

يقول النبي ﷺ: «الصوم جُنّة»، أي وقاية وحماية، وهذه الحماية لا تقتصر على الجانب الديني، بل تمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. فالصائم يتعلم أن يؤجل رغباته، وأن يضبط انفعالاته، وأن يتحكم في غضبه

وفي مجتمع يعاني من ضغوط يومية متراكمة، يصبح هذا التدريب الأخلاقي ذا أثر بالغ

الفيلسوف العربي ابن خلدون أشار في مقدمته إلى أن المجتمعات تقوم على “العصبية” بمعنى التماسك الداخلي، ورمضان يعزز هذا التماسك عبر نشر قيم الحلم والعفو وكظم الغيظ. تقل حدة النزاعات اليومية، وتعلو لغة التسامح ولو مؤقتاً، كأن المجتمع يدخل في دورة تطهير معنوي يراجع فيها ذاته ويعيد ضبط إيقاعه

الصبر هنا لا يعني الاستسلام للواقع، بل يعني امتلاك القدرة على مواجهته دون انهيار. إنه شكل من أشكال القوة الهادئة، تلك القوة التي تحفظ التوازن حين تهتز المعادلات الكبرى

رمضان… من طقس فردي إلى مشروع مجتمعي

ما يميز التجربة الرمضانية في العراق أنها تتجاوز حدود الفرد لتصبح شأناً مجتمعياً عاماً. فموائد الإفطار الجماعي، وحملات التكافل، والمبادرات التطوعية، كلها تعكس أن الشهر الكريم يتحول إلى مساحة عملية لإعادة بناء الثقة بين الناس

صحيح أن رمضان لا يغير الأوضاع الاقتصادية بين ليلة وضحاها، ولا يعيد رسم الخريطة السياسية، لكنه يغير شيئاً أكثر عمقاً، يغير الإنسان من الداخل. وحين يتغير الإنسان، تتغير طريقة تعامله مع الأزمات، وتصبح قدرته على الصمود أكبر

اخيرا

وعد يتجدد كل عام

في العراق، حيث تتشابك الذاكرة بالألم والواقع بالتحدي، يظل رمضان وعداً سنوياً بأن الروح أقوى من الانكسار. إنه مساحة للأمل في زمن القلق، ومدرسة للصبر في زمن الضغوط، وجسر يعبر به المجتمع من التعب إلى الرجاء

قد تنتهي أيام الشهر سريعاً، لكن أثره الحقيقي يقاس بقدر ما يبقى في السلوك اليومي بعد انقضائه فالقيمة الكبرى لرمضان لا تكمن في ثلاثين يوماً من الامتناع، بل في قدرة تلك الأيام على إعادة تشكيل الوعي الجمعي

وهكذا، وبينما يستمر العراق في مواجهة تحدياته، يظل رمضان لحظة نقية في الضمير الوطني لحظة تؤكد أن الشعوب، مهما أثقلتها الظروف، قادرة على النهوض كلما وجدت في داخلها ما يستحق الايمان به

قد يعجبك ايضا