خريجون بلا مستقبل: أين أخطأ التعليم؟

د. محمد صديق خوشناو

في كل عام، تخرج أعداد هائلة من الشباب العراقي بشهادات تلمع على الورق، لكنها لا تفتح لهم أبواب الحياة ولا توفر لهم فرص عمل حقيقية. الجامعات، بدل أن تكون مصانع للعقول المنتجة، تحولت في كثير من الحالات إلى سوق للشهادات، تنتج خريجين بلا مستقبل. السؤال الجوهري هنا: هل فشلنا نحن كدولة في التخطيط، أم أن التعليم قد خسر رسالته؟

“الجامعات تحولت من صناعة العقول إلى تجارة الشهادات، والشهادة لم تعد وسيلة لإثبات الكفاءة، بل هدفاً بحد ذاتها.”

بحكم تخصصي في تخطيط التعليم التقني والمهني وخبرتي العملية في إدارة التعليم العالي بين 2004 و2021، شاهدت كيف أصبح التوسع في الجامعات يسير وفق منطق الربح والطلب أكثر من ارتباطه بحاجات التنمية الوطنية. تتكرر التخصصات نفسها في عشرات الجامعات، بينما تعاني قطاعات الاقتصاد الحيوية من نقص الكفاءات المؤهلة. النتيجة: خريجون متعلمون شكلياً، عاجزون عن المساهمة في سوق العمل، أو مضطرون للعمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم.

المشكلة ليست في التعليم الأهلي بحد ذاته، بل في غياب رؤية وطنية واضحة تُربط بين فتح التخصصات واحتياجات سوق العمل الفعلية. الشهادة اليوم لم تعد وسيلة لإثبات الكفاءة، بل أصبحت هدفاً بحد ذاتها، مما يوسع فجوة الثقة بين التعليم والاقتصاد، ويهدد الاستقرار الاجتماعي قبل أن يهدد التنمية.

إصلاح المسار يتطلب إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني وربطه بحاجات التنمية، وربط الترخيص الأكاديمي بدراسات دقيقة لاحتياجات سوق العمل، والانتقال من ثقافة «زيادة أعداد الخريجين» إلى تحسين نوعية مخرجات التعليم.

فبناء الأوطان لا يتحقق بتكديس الشهادات، بل بصناعة الإنسان القادر على العمل والإبداع والإسهام في التنمية الحقيقية. العراق أمام مفترق طريق: إما الاستمرار في سوق الشهادات، أو الانتقال إلى مشروع وطني حقيقي لصناعة الكفاءات وإعداد شباب قادر على صناعة مستقبله ومستقبل وطنه.

قد يعجبك ايضا