قصة: اديب عبدالله
ترجمة: شَمال آكريي
– لو أنكَ رأيتَه…
– دعنا نراه؟
– ها نحن نراه الآن.
– ألا ترى كم هو أبيضٌ مُشرَبٌ بِحُمرة؟ لو لم تكن تلك اللحية الكثيفة تغطيه، لكان المرءُ ينظر إليه بشغف وحب.
– لم أتخذ يوما جمال المظهر مقياسا، فجلُّ اهتمامي ينصبُّ على السلوك والفِكر.
– كيف استطاع أن يسطع نجمه بهذه السرعة، وبهذه الهيئة؟
– ألم أكن صديقه المقرّب منذ الطفولة؟ كان يكتم عني أسراره كلها. أذكرُ أنه قبل أربع وعشرين سنة، استأجر بيتا في بلدتنا، وكان يقول لي: “لقد جلبتُ معي كتابين قديمين قيّمين بحجم كتابنا المقدس وكنت أقرأ فيهما يوميا. أحيانا، كنت أتظاهر بالصلاة متوجها للقبلة أمام موسى ذي العين الزجاجية وزوجته.” ثم أردف وقال: “كان صاحب البيت رجلا متدينا بسيطا وصادقا، لا يكاد اسمي يفارق لسانه، حتى عُرِفتُ عند من حولي بأنني رجلٌ ذو علم واسع. ذاع صيتي أكثر بعد أن أحضرت جارتنا غزال ابنها المريض إليَّ لأكتب له رقية، فقرأتُ عليه بعض الآيات وقدمتُ لغزال نصائح طبية. بعد أن شفي ابنها، في الصباح التالي كانت وجبة فطوري دسما ومليئا بما طاب ولذّ من طعام، فانتشر اسمي أكثر.”
صديقي هذا، استهوته القراءة، وانخرط في المجتمع، وأرخى لحيته أكثر، وألقى بكل الكتب جانبا، ولم يُبقِ عند وسادته إلا الكتاب المقدس. كان يقول: “لقد واتتني الفرصة الآن، وكنت كريح سائبة، أضرب شمالا ويمينا، وأفعل ما تمليه عليّ رغبتي بلا قيد.”.
لم يكتفِ بإطالة لحيته فحسب، بل أضاف إلى طباعه سلوكيات كثيرة أخرى، وكان يردد: “أنا أستطيع أن ألوّح بيدي، أفعل كذا، وأفعل كذا، وهذا يجلب لي المال أيضا”.
– لو لم أكن صديقه، لربما ضلَّ السبيل مرات ومرات.
– إنه بائس… بؤسه ليس عابرا، بل عميقٌ حتى شوّه ملامحه وسلب وجهه وسامته الفطرية.
ظاهريا، يبدو كراهب زاهد تفيض من قسماته الطمأنينة، حتى لتظن أن الملائكة تفسح له الطريق. غير أنّ داخله ظلّ على حاله؛ عتمةٌ لم يمسسها نور، وسريرةٌ لم يطرأ عليها تبدّل.
قلّةٌ فقط يمتلكون بصيرة تكشف قناعه وتقرأ ما وراء أفعاله… أما البقية، فسأترك لهم الوهم، وأدع الحقيقة مستورة إلى أن يحين أوانها. في ذلك اليوم قال لي: “تَمَتَّعْ بما في الحياة من مَلذَّات، ففي القبر ستنالُكَ المَقَارِع”.
– وهل رأيتَ أنت مقارع القبر؟
– لو رآها أحدنا، لكانت مسيرة الحياة قد اتخذت شكلا آخر.
شعرتُ حينها أن نصف البشر قد أصابهم ما هو أسوأ منه، لكن كل واحد منهم عبدٌ لمصلحته بطريقة مختلفة.
كانت كلماته كسهام تنغرس في قلبي، وكنتُ أغض الطرف عنها. في ظاهره، كان ملاكا يسجد في خشوع، أما في باطنه، فكان هو نفسه لم يتغير. لو أني شربتُ قنينة جعة واحدة أمامه، لهرع إلى زوجتي لها قائلا: “إنه يغسل رأسه بالخمر”.
كنتُ صديقه المقرّب، وهو الذي علّمني كل شيء. أذكر أنه قبل زمن ليس ببعيد قال لي: “سنخرج في نزهة”، وكنتُ أنا وهو وبعض من أصدقائه. في ذلك الوقت، كان شرب الخمر غير مباح. كنا جميعا ضيوفه، وابتعدنا كثيرا عن بيوتنا، ثم استقر بنا المقام على قمة تلة. لقد خدمنا بنفسه حتى شعرتُ بالخجل، كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها نزهة من هذا النوع. كنا جميعا على وشك أن نفقد وعينا من فرط ما شربنا، حين نهض ووضع كأسه على صخرة قبالته وقال: “هذا الكأس أمانة لديكم، لا يشرب منه أحد حتى أعود وأقضي دَيْني”، ثم توجّه إلى القبلة…
وعلى سبيل المزاح، أفرغ أحد الأصدقاء كأسه. وما إن التفت صديقي عن كتفه الأيسر حتى رآنا، وأمطرنا بوابل من الشتائم وهتك أعراضنا.
والآن، لم يعد مرتبطا بالكتاب المقدس بقدر ما يرى نفسه مقدسا. يظن أن سلوكه وأقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه هو أمرٌ مقدس، ويجب أن يظل كذلك. لو أنني لم أعرفه، لقلتُ إنه ملاكٌ لو وُضِع بين خصمين عنيدين لقضية مستعصية، لأصلح بينهما. إنه يجمع بين النقيضين على مائدة واحدة. في ذلك اليوم، ألقيتُ التحية على زميلة لي في العمل، فما كان منه إلا أن أخبر زوجتي على الفور: “احذريه، فإنه سيتزوج عليكِ امرأة أخرى”. ورغم أنها لم تصدقه، إلا أن الغضب اعتراني، وقررتُ أن أحوّل حقيقته المخبوءة هذه إلى قصة واقعية معاصرة. فلتكن كل الحقائق التي رويتها حتى الآن غير مكتملة، لكن صدّقوا مني ما تبقى. دعوا الحقيقة تمشي وحدها بين الناس، بلا رتوش ولا أقنعة، ولا تظنّوا أنّني ألوّن الوقائع كما أشتهي، بل أسوقها إليكم عارية كما حدثت، دون زيادة أو نقصان. أعلم أنّ ما أرويه الآن ليس غريبا على مسامعكم؛ فكثيرون منكم عبروا هذه العتبة ذاتها، ووقفوا في اللحظة نفسها بين البوح والصمت. فالإنسان، حين يتخفّف من وعيه تحت وطأة السُّكر، لا يبقى له سوى الحقيقة؛ تسقط الأقنعة، ويتكلم القلب بلا حارس، وينطق اللسان بما خبّأه طويلا. قال:
– كيف تُبقي المقدسَ مقدسا؟
– الحقيقة وحدها هي المقدسة.
– وهل نحن نكذب؟
– إذن، قولوا الحقيقة.
– الناس لا تصدق، والأمر ليس في مصلحتنا.
– وما الحل؟
– أنت تشبه من؟
– إنك تقود الإنسان إلى الهاوية.
– بل على العكس يا سيدي، فالمكان الذي يتنحى عنه أهل الدين والإنسانية والفلسفة، يهرع إليه الآخرون. استشاط غضبا وقال:
– لقد خرجت عن ملّتك! كيف تفكر هكذا؟
فجأة، وردني اتصال، فابتعدتُ عنه… ثم عدتُ إليه مبتسما.
– خيرا؟ ما سر ابتسامتك بعد هذا الاتصال؟
في تلك اللحظات، شعرتُ كأن مصانعَ خفية في رأسي قد استيقظت دفعة واحدة؛ خلاياي تعمل كآلات محمومة، تنسج في صمت خططا للردّ على صداقة ذات وجهين، ابتسامةٌ من أمام… وخنجرٌ من وراء. راحت العبارات تتقافز في ذهني كشرارات: “يغسل رأسه بالخمر”، “سيتزوّج عليكِ امرأة أخرى”… وغيرها من الهمسات التي لم نجرؤ على الإفصاح عنها.
لم أكن يوما ممّن يتّخذون الانتقام مسلكا، ولا ممن يقتاتون على الأذى، لكن اللحظة بدت كأنها تفتح بابا لم أطرقه من قبل. لا لأهدم، بل لأكشف. لا لأصرخ، بل لأُريه حجمه الحقيقي. ومن الآن فصاعدا… سترى نفسك كما لم ترها قطّ. فقلت له:
– لا أريد ان أُخفي عنك الأمر… صديقتي أحضرت صديقة معها، وسنذهب إلى شقتها. ما رأيك أن أتصل بصديقنا “فرهاد” لنذهب إليهن معا؟
أرهفَ سمعه إليَّ، وجَحَظَت عيناهُ نحوي، وكأنه لا يدري متى سأُنهي كلامي.
– لا، لا، لا! لستُ موافقا على أن تتصل به.
– ولكنك رجل متدين.
– يا فتى، دع عنك هذا الأمر، فإني لا أبيع لحظات المتعة بالدنيا وما فيها.
– لا أريد أن أُعلّم أمثالك أعمال السوء، كما علّمتني أنت.
– ليكن هذا فضل منك علي، فنحن صديقان مقربان.
– يا رجل، إنها فتاة صغيرة، سأصطحب معي أحدا يكون بعمرها.
-عمرك تجاوز الخمسين، وشارف على الستين.
– الفتيات الصغيرات يصبحن كالدمى في يد الرجل.
لحظة تلو الأخرى، كان يكرر: “ماذا في الأمر؟” وبعد أن تيقنتُ من إصراره على الذهاب، وقرأتُ في ملامحه أنه مستعد لفعل أي شيء في سبيل أي متعة مهما كانت، وأن ما يفعله ويقوله لا أساس له من مبدأ، قلتُ له على الفور: ” آسف أنهن إعتذرن، فقد حلّ بهنّ ضيفٌ مباغت، ولن يستطعن إعداد المكان في الوقت الراهن.”
تصلّب جسده، ونظر إليَّ شزرا وكأنه خسر كنزا. شعرتُ أنه لو أُتيحت له الفرصة، لقطّعني إربا وابتلعني. حينها قررت أن أحوّل تلك الصفحات السوداء من سيرته إلى قصة بيضاء، ووضعتها بين يديه. وبعد أن قرأها، ووصل إلى المقطع الذي يكشف أن أسراره محفوظة لدي، قلتُ لكم: “لقد رويتها لكم، فلا تخبروا بها أحدا”.
قال: “يا لك من وغد! ماذا فعلت؟”
قلتُ: “عذرا يا صديقي، لقد كانت هذه حقيقة ستقبع في الظلّ”.