د. نبيل عبد الأمير الربيعي
لا زالت بعض الدراسات الانثروبولوجية تبحث عن الكيفية التي تعامل فيها الإنسان البدائي مع موتاه، وقصة قابيل لدفن شقيقه هابيل إحدى تلك الحكايات حول عملية الدفن للموتى. وهناك اجماع على وجود القبور الجماعية؛ وفكرة الاعتقاد بخلود الإنسان وعودته، لذا يتم وضع حاجياته الدنيوية معهُ لكي يستعملها في مكان رقدته الأبدية.
لكن الملوك والكهان هم من أكسب المقابر والقبور رهبة وهالة، استفردت قبورهم بهالة ضخمة من التصاميم والنقوش، والبعض دفنوا في المعابد المقدسة باعتبارها بيوت الآلهة، وهم أحق من العبيد. فأصبحت مقابرهم مقدسة تستحق الاحترام والتقديس.
اليوم نجد الأحبة عند دفن موتاهم، يطوف البعض وهو يضحك وينظر بلا مبالاة لأهل واصدقاءه الموتى، غير أنهم لم يدركوا الانتظار في رحلة الحياة، والفارق أنهم ذهبوا إلى أمكنتهم قبل الموعد المحدد، أو اختاروا برغبتهم الانتحارية تمت نهايتهم، مما جعل سوء الحياة والموت ليس إلاّ فاصل زمني رغم الفاصل من الآجر والاسمنت والغرف المشيدة على القبور في ضواحي المدن.
لكن مقابر الملوك والأعيان والكهان كلما قارناهم على مدار التاريخ وجدنا أن في الحياة أو الممات لا بد من مرتبة الامتيازات، منها أبنية القبور وتنوعها من زخرفة ونقوش وارتفاع وتشييد القبب عليها، وكأنها التباينات الاجتماعية بين أبناء المجتمع؛ تطارد الفقراء كاللعنة حتى وهم أموات، وتبقى المقبرة مشيدة حتى وإن كانت المدينة تشكو من أزمة السكن والازدحام، فليس من المستغرب أن يزحف الناس للعيش مع الموتى أو الإقامة بالقرب منهم.
فالحياة أكبر من تمنح الأحياء فكرة الخوف للعيش مع الموتى، فهم في المحصلة الاجتماعية بشر نصف موتى، وقد اتخذت بعض العوائل الفقيرة من تلك المقابر سكناً جديداً لهم. إنها حياة مشتركة بين البشر بعد إلغاء ذلك الحاجز بين الموتى والأحياء.
فمتى نفكر في ابعاد المقابر عن مراكز المدن، ومع ذلك سيزحف الأحياء على المقابر في ظل ظروف استثنائية مضايقين الموتى في هدأتهم. فهل نحسد الهندوسي بطريقته في حرق الموتى للتخلص منهم ومن تلوث التربة.
وما يحزننا من رؤية مقابر الأعزاء في اماكن خالية من انتشار الخضرة والأشجار ورائحة الزهور والورد المزروع، لذلك نجد مقابر المسلمين تخلو بشكل عام من تلك الظاهرة، لكن مقابرنا معززة بألواح الرخام المشيدة حول القبر. فلكل إنسان محبة بين أهله في ظل احترام القيم والمعتقدات.
وعندما كان القبر يخص أحداً من الأغنياء كان في الأغلب يرتفع فوق سطح الأرض. هذه القدسية للموتى كانت مختلفة عند الهندوس مثلما هي كذلك التقاليد الزرادشتية، غير أن الدراسات تميل إلى تأثير الهندوسية على الثقافة الفارسية في زمنها الغابر. (فقد كانت نتيجة الطقوس المأتمية التي فرضتها الأفستا، ابداع هندسة فريدة، لا نجدها في بلدٍ آخر غير فارس.
فقد حرم دفن الجثث بالرض أو حرقها أو دفعها إلى الماء حتى لا تدنّس المياه والأرض والنار، لذلك جهزت مدن الأموات في أماكن قصية ومقفرة، وهي كناية عن أبراج مستديرة اسمها “دخما”. وكانت هذه الأبراج تحمل أخشاباً متوازية توضع عليها الجثث، فتأتي الكواسر تنهش في هذه الأجسام المتروكة، وتحمل غالباً إلى البعيد أشلاء أعضاء، وتصبح في النهاية فريسة الضواري. أما ما يبقى من عظام فيدفن بعد طلائه بالشمع منعاً لاتصاله المباشر بالأرض(1).
وما زال أحد الأبراج الخاصة بالمزديين قريب من مدينة طهران. وهذه أبراج (الدخما) لم تستعمل إلا لدفن الأموات من الشعب لأن الملوك الأخمينيين على الأقل ابتعدوا عن القانون المزدي، وبذلك صمموا جدرانهم المقدسة والمزدانة بالرخام والمرمر.
فالمعابد والقبور هندسياً تجسد فكرة الأبدية والخلود في رمزية؛ منها المنقوش سواء كانت ذات يوم مقدسة لسكانها الحقيقيين، لكنها تطورت وتكاشفت وزاحمت الإنسان في رحلتها، فالحقيقية هل تصبح تلك البقعة من الأرض احتكاراً أبدياً للموتى حتى وإن كان الأحياء بحاجة لها؟ لذا وجدنا كثيراً من المذاهب والأديان تتصارع وتمنع تغيير المكان بسبب جدرانه المقدسة.
في جميع المدن الحديثة ننسى موتانا وموتنا المقبل، ونحاول نسيان المقبرة، لكننا نتذكر لحظة الفجيعة أن مقابرنا كثرت، ومقبرتنا أصبحت بعيدة، فنحمل جثمانهم لدفنهم في مقبرة وادي السلام؛ لأنهم أصبحوا عبئاً علينا في حموة الصيف وبرد الشتاء.
لكن عندما نعود للماضي والأحياء القديمة نجدها ذات نكهة أخرى، فهناك نلمس جدراناً مبنية بأيدي ميتة ولكنها عبقة بالقوة والمجد، إنها يد البنائين التي لا تتوقف، ولن نستعيض عنها بكل زخم التكنولوجيا والكومبيوتر، إنها أحجار وجدران ناطقة كلوحة معبرة، ونكاد نشم عبق الماضي ينضح من جسدها الرابض.
المصادر:
1- ارنست بابلون، الآثار الشرقية، طرابلس، دار جروس برس، ط1، 1987، ص136.