عرفان الداوودي
في كل موسمٍ ديني، يتجدّد الجدل حول إعلان بدايات الشهور، وتتعدّد التصريحات والفتاوى، حتى يحتار الناس بين هذا البيان وذاك. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل مسألة رؤية الهلال شأنٌ فقهيّ بحت، أم أنها قضية علمية فلكية في الأساس؟
رؤية الهلال – من حيث إثبات ولادته وإمكانية مشاهدته – مسألة ترتبط بعلم الفلك والحسابات الدقيقة لحركة القمر ودورانه وموقعه بالنسبة للأرض والشمس. هذه حسابات لا تُحسم بالاجتهاد الشخصي أو التقدير الظني، بل بالمراصد والأجهزة والمعادلات العلمية التي يختص بها علماء الفلك.
أما علماء الدين، فمجال اختصاصهم هو بيان الحكم الشرعي: كيف يُعمل بثبوت الرؤية؟ ما هي شروط الشهادة؟ هل يُعتمد الحساب الفلكي أم الرؤية البصرية؟ هذه مسائل فقهية بامتياز، لكنها تبقى مرتبطة بنتائج علمية دقيقة.
الإشكالية لا تكمن في مكانة علماء الدين، فهم أهل الشريعة ومرجعيتها، ولا في دور المؤسسات الدينية بمختلف توجهاتها، بل في تداخل الاختصاصات. فحين يتحوّل الموضوع العلمي إلى ساحة تصريحات متضاربة، يفقد الناس الثقة، وتضيع وحدة الكلمة.
التكامل هو الحل:
• علماء الفلك يحدّدون بالدقة العلمية وقت الولادة وإمكانية الرؤية.
• علماء الشريعة يبيّنون الحكم الشرعي بناءً على المعطيات الموثوقة.
بهذا تُصان هيبة العلم، وتُحترم الشريعة، ويُغلق باب الجدل الذي يتكرّر كل عام. فالدين لا يتعارض مع العلم، بل يحثّ عليه، والقرآن نفسه دعا إلى النظر في الأفلاك والتفكّر في حركة الكون.
حين نعيد الأمور إلى نصابها، ونعترف لكل علمٍ بأهله، نكون قد خطونا خطوةً نحو وعيٍ أعمق، ووحدةٍ أقوى، واحترامٍ حقيقي لمبدأ التخصص الذي لا تقوم الأمم بدونه.