د. ابراهیم احمد سمو
لا يشبهنا أحد
من يشبهنا لا وجود له. وحتى إن وُجد من يشبهنا في الشكل، فلن يشبهنا في المضمون. قد يتدرّب اثنان على الدور نفسه، ويمثّلان بإتقان، وينجحان في الامتحان والتجربة، لكنّ روح الإنسان لا تتكرّر، ونَفَسه لا يُستنسخ. في نهاية المطاف تنكشف اللعبة؛ فإمّا أن يظهر أمرٌ يفضح الحقيقة، أو يستمرّ التمثيل زمنًا ثم ينتهي بصاحبه إلى خيبةٍ وقهر، أو ينكمش في وضح النهار حين يعجز عن مواصلة الدور. هذا حال من يختار أن يؤدّي دور الشبيه، حتى على المستوى العالمي؛ إذ بدأت الأقنعة تتساقط واحدًا تلو الآخر. كم سمعنا عن شخصٍ قيل إنّه مات، فإذا به يظهر حيًّا! وكم ودّعنا آخرين وقيل إنّهم رحلوا، ثمّ فوجئنا بظهورهم إلى العلن بلباس الثقة والوقار!
لا يشبهنا أحد؛ فالإخلاص والوفاء والإرادة وفعل الخير والصدق مع الله ومع الناس ليست صفات تُستعار. وخفّة الظلّ البعيدة عن الحقد والكراهية لا تُصطنع طويلًا. نحن لا نؤمن إلا بقول الحقّ في وجه من كان، ولا نساوم على كلمةٍ نعتقدها صوابًا. لا يشبهنا أحد في العطاء؛ ندفع ممّا نملك لمن حولنا دون عنوان، ولا سلفة، ولا دَينٍ نذكّر به. أمّا ما نأخذه من الآخرين فدينٌ في أعناقنا، نحرص على ردّه، وربما نبالغ في تقدير الجميل ولو تكرّر. ومع ذلك، كثيرًا ما يُستهان بنا، ويُظنّ أنّ ما نقدّمه واجبٌ لا فضل فيه.
نحن لا يشبهنا من وُلد معنا، ولا من اقترب منّا حتى فديناه بالروح، ولا من تنقّلنا من أجله بين المراجعات هنا وهناك. دفعنا كرامتنا مرارًا لا لنستفيد نحن، بل ليستفيد غيرنا، فإذا به ينكر اليوم كلّ جميلٍ قدّمناه. وربما، وفق معادلةٍ معكوسة، يُصبح هو على صوابٍ في نظر الناس، ونكون نحن على خطأ، حتى لو كنّا قد أخطأنا فعلًا. ومع ذلك نقول: الحمد لله. لا يشبهنا أحد، لا في الصواب ولا في الخطأ؛ لأنّ خطأنا نصحّحه سريعًا إذا تبيّن لنا، بينما يصرّ غيرنا على الإنكار والمكابرة.
ثمّة شبهٌ يربكنا؛ شبهٌ إجباريّ لا حيلة لنا فيه، وشبهٌ اختياريّ يضعنا في مواقف محرجة أمام الناس. الأوّل قَدَرٌ لا يُدفع، كملامح قد تتقاطع أو أسماء تتشابه. أمّا الثاني فاختيارٌ واعٍ لتقمّص صورةٍ لا تخصّ صاحبها. في المناسبات الكثيرة يسألنا الناس: ألسنا متشابهين؟ نبتسم وندرك أنّنا نشبه بعضنا في الظاهر، لكنّنا لا نشبه بعضنا في الجوهر. الشكل قد يخدع العين، أمّا المضمون فلا يخفى طويلًا.
لسنا كاملين، لكنّنا صادقون مع أنفسنا. نعترف بزلاّتنا، ونسعى إلى إصلاحها، ولا نتوارى خلف أقنعةٍ مصقولة. نؤمن بأنّ قيمة الإنسان في أثره، لا في صورته؛ فيما يتركه من طمأنينةٍ في القلوب، لا فيما يثيره من دهشةٍ عابرة. من أراد أن يقلّدنا قد ينجح لحظة، لكنّه سيعجز عن حمل ثقل القيم التي نحملها؛ لأنّ القيم تُعاش ولا تُمثّل.
قد يُقال إنّنا نبالغ حين نردّد: لا يشبهنا أحد. لكنّها ليست دعوى تفوّق، بل إقرارٌ بفرادة التجربة الإنسانية. لكلّ إنسان بصمته التي لا تتكرّر، وسيرته التي لا تُعاد. لسنا نسخةً عن أحد، ولا نطلب من أحد أن يكون نسخةً عنّا. نريد فقط أن نكون كما نحن: مخلصين حين نعطي، أوفياء حين نَعِد، شجعانًا حين نقول الحقّ، ومتسامحين حين نُساء.
وفي زمنٍ كثرت فيه الصور وتكاثرت الوجوه، يبقى الجوهر هو المعيار. قد يلتبس الأمر على الناس حينًا، وقد تتشابه الخطوات والملامح، لكنّ الطريق يكشف سالكيه. هناك من يسير بثباتٍ ولو ببطء، وهناك من يركض وراء ظلّه. وفي النهاية، لا يصمد إلا من كان صادقًا مع ربّه ومع نفسه ومع الناس.
نعم، لا يشبهنا أحد. لا لأنّنا أفضل، بل لأنّ لكلّ روحٍ سرّها، ولكلّ قلبٍ نبضه الخاص. قد نتقاطع في بعض الملامح، وقد نتشابه في بعض الأدوار، لكنّ الحقيقة أنّ الإنسان لا يُختزل في صورة. نحن نشبه بعضنا، ولا نشبه بعضنا. الأوّل قَدَر، والثاني اختيار. وبين القدر والاختيار تتجلّى حقيقة لا تتبدّل: لكلٍّ منّا فرادته التي لا تُستنسخ