نشوان عزيز عمانويل
«1»
كان ذلك منذ زمن قد مضى.. في شتاءٍ بعيدٍ من شتاءات ستوكهولم، حين كانت المدينة تبدو كأنها قطعة زجاجٍ شفّافة معلّقة بين السماء والبحر.
الثلج لم يكن يتساقط يومها، لكنه كان يغطي الأرصفة ببياضٍ صامت، والهواء كان حادًا كحدّ سكينٍ رفيع.
كنتُ أعمل سائقًا، أقود الشاحنة في الصباح الباكر، وأوزّع البضائع على الضواحي البعيدة، ثم أعود آخر النهار إلى وسط المدينة. كان الليل يأتي سريعًا، كما لو أنه يسرق النهار من جيب السماء.
في تلك الليلة، انتهيت متأخرًا. أوقفت الشاحنة قرب المياه في حيّ غاملا ستان، حيث الأزقة الضيقة التي تشبه ممرات الحكايات القديمة.
كنتُ متعبًا… لكن ليس تعب الجسد فقط. كان هناك شيء ثقيل في صدري، شيء لا اسم له وكأن روحي انزلقت فوق الرصيف.. سرتُ بلا هدف.
المصابيح الصفراء على الجدران الحجرية بدت كأنها عيون قديمة تراقبني.
والصمت… كان كثيفًا، حتى أن وقع خطواتي بدا غريبًا، كأنه لشخصٍ آخر يمشي خلفي بصعوبة بالغة.. وبينما كنت اتطلع صوب نهاية الرصيف الداكن عند زاوية زقاقٍ ضيق، رأيت دكانًا صغيرًا لم ألحظه من قبل.
باب خشبي داكن، نافذة مغطاة بستارة مخملية خضراء، وفوقها لوحة قديمة مكتوب عليها بخط ذهبي متآكل:
“الأشياء التي لا تُشترى”.
ترددتُ لحظة.
ثم دفعت الباب.
رنّ جرسٌ صغير، لكن صوته لم يكن معدنيًا… كان أشبه برنين كأسٍ بلوريّ في قاعةٍ فارغة.
داخل الدكان، لم يكن هناك ما يُباع بالمعنى المعروف.
لا أرفف، لا صناديق.
فقط طاولات صغيرة، فوق كلٍّ منها صندوق خشبي.. ومن خلف طاولة في الزاوية، جلس رجل مسنّ، بملامح لا تنتمي لعمر محدد. كان يرتدي معطفًا طويلًا بلون الليل، وعيناه لامعتين بطريقة لا تُفسَّر.
قال بهدوء:
— تأخرتَ.
تجمدتُ في مكاني.
قلت:
— هل نعرف بعضنا؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها لا تخصّني وحدي… وكأن الشارع كله أبتسم فجأة.. ثم قال
— نحن لا نتعارف… نحن نتذكر.
أشار إلى صندوقٍ أمامي.
— افتحه.
اقتربتُ.
يدي كانت باردة.
فتحت الغطاء.
لم يكن في الداخل شيء مادي.
لكن فجأة، رأيتُ مشهدًا…
كنتُ طفلًا في ساحةٍ بعيدة، أركض بلا خوف، أضحك بصوتٍ عالٍ، والسماء زرقاء بشكلٍ لا يُصدّق.
رائحة التراب بعد المطر.
صوت جدتي تناديني.
يد أبي على كتفي… أغلقتُ الصندوق بسرعة.
أنفاسي كانت متسارعة.
قال الرجل:
— هذا ما فقدته.
كان كلامه بسيطًا، لكنه أصابني في نقطة لا أراها عادة.
قلت له، وكأنني أساومه:
— وماذا لو لم أستطع؟
ابتسم، وقال:
— إذًا ستحتفظ بالصندوق… مغلقًا.
ثم فجأة…
انطفأت الأنوار للحظة… غاب كل شيء وانطفأت عيون المدينة… لم يكن هناك رجل.
ولا طاولات.
ولا صناديق.
كنتُ وحدي في زقاقٍ ضيق، أمام جدار حجري شامخ وقديم.
لا باب.
لا دكان.
عدتُ إلى السيارة مرتبكًا.
أقنعتُ نفسي أن الإرهاق صنع لي هلوسة لطيفة.
لكن…
في جيب معطفي، وجدتُ مفتاحًا صغيرًا، من نحاسٍ قديم، عليه نقشٌ دقيق يشبه الهلال.
احتفظتُ به سنوات.
لم أجد له قفلًا.
لكني كلما شعرتُ أن الحياة تضيق، أضعه في راحة يدي، وأتذكر الصندوق المفتوح، والطفل الذي يركض بلا خوف.
وفي بعض الليالي، حين أقود قرب المياه، أشعر أن أحد الأزقة في غاملا ستان يناديني بصمت…
وكأن الدكان ما زال هناك، ينتظرني لأدفع الثمن.
ربما لم تكن الحكاية عن دكانٍ أصلًا.
ربما كانت عن بابٍ داخليّ لم أجرؤ بعد على فتحه بالكامل.
«2»
قبل أعوامٍ كثيرة، في خريفٍ باردٍ من ليالي ستوكهولم، كنتُ قد خرجتُ لتوّي من مكتبةٍ قرب ميدان سيرغيل.
كانت السماء منخفضة، كأنها سقفٌ رماديّ يضغط على الرؤوس، والناس يمشون مسرعين كأنهم يهربون من فكرةٍ ما.
كنتُ يومها أشعر بأنني غريبٌ حتى عن ظلي.
ليس حزنًا محددًا… بل شعورٌ بأن العالم يسير في اتجاهٍ وأنا في اتجاهٍ آخر.
عند درج المترو المؤدي إلى محطة تي-سنترالن، رأيتُ امرأة عجوز تجلس على كرسيٍّ صغير.
لم تكن تشبه المتسوّلين المعتادين.