سمير ميراني
“الأمم البدائية تتفاضل فيما بينها بالقوة، فإذا ارتقت تفاضلت بالعلم، فإذا بلغت النهاية في الرقي تفاضلت بالأخلاق ” ابن خلدون.
ليس أخطر على الإنسان من وهم الطهارة حين يتحول إلى يقينٍ مغلق، فاليقين الذي لا يمر عبر مساءلة داخلية، غالباً ما يكون قناعاً للخوف، والإنسان حين تضيق به شجاعة الاعتراف، يستدعي آلية الإسقاط، فينسب إلى غيره ما يعجز عن حمله في ذاته، ويُفرغ عتمته في وجوه الآخرين كي يظل هو مضاءً في ظنه، هروبٌ من الداخل، واتهامٌ للخارج، وثقافة تتوارث الخوف باسم الفضيلة.
الإسقاط هذا يكون في بدايته ضعف فردي، لكنه إن تُرك بلا وعيٍ ولا نقد، تضخّم حتى يصير ثقافة كاملة، ثقافة فاسدة تعيد تعريف نفسها عبر نفي سواها، وتبني تماسكها على إقصاء المختلف، والمجتمعات التي ترفض الآخر لا تعلن قوتها، بل تكشف أزمة هوية عميقة، فهي لا تعرف من تكون إلا إذا حددت من لا يكون، وحين يختلط الخوف بالتصور الأخلاقي، تولد العنصرية بوصفها انحرافاً في المنهج قبل أن تكون انفعالاً في السلوك.
أيها الغاوون بأوهام الفضيلة، هل أنتم أفضل منا لأنكم مخلوقون من نارٍ ونحن من طينٍ لازب؟ أم أنكم ملوكٌ مُخلدة لا تشقى ولا تجوع، تأكلون من شجرة المُلك المقدس فلا يمسّكم نقصٌ ؟ أم أنكم من عِرقٍ معصومٍ كُتبت له البراءة قبل الامتحان؟ بأي سلطانٍ تُقيمون هذا الميزان، وقد قال الله (إِنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم) إن كان التفاضل تقوى، فالتقوى عمل القلب لا ادعاء جماعة.
المعرفة وحدها تضع الإنسان في صورته الحقيقية بلا رتوش ولا قسوة، تجرده من زخارف الوهم لكنها لا تهينه، إنها تُعلمه أن قول الحقيقة عن النفس شرطٌ أول لقولها عن الآخرين، ومن لم يواجه ذاته بنقاط ضعفه، لن يفهم الآخر إلا عبر مرايا مشروخة تعكس صورته هو لا صورتهما معاً، النقد الموضوعي يبدأ من الداخل، حين تنقد الذات بموضوعية، تمنح رؤيةً واضحة وصادقة لمعرفة حقيقة الآخر بعدلٍ وإنصاف، لكن الجهل المتجانس في الوعي يحوّل الحكم إلى إسقاطٍ مشوّه للشخصية، ويمنح صاحبه حياةً مزيفة مع نفسه، يطمئن إلى صورة صنعها الخوف، ويحسبها فضيلة.
القليل من التمعن يكشف أن أخطر أشكال الجهل أن يقنعك أنك على حقٍ مطلق وأن ما يخالفك باطل، وهنا يتكرس انحراف المنهجية (الفكر العنصري) إذ يغدو التفكير تبريراً، ويصبح الهوى دليلًا وقانوناً، والاستعلاء مذهباً.
لقد جُعل الاختلاف سنّةً للتعارف لا للتناحر (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) غير أن مناكفة سنن الكونية وفطرة الطبيعة الإنسانية، أبعدتكم عن رغد الحياة، وألبستكم شقاء الجهل، لباس الخوف والجوع، حتى أصبحتم قوماً عُمِين، فاقدين لأدوات المعرفة التي تهذّب العقل وتحرر النفس وتقيم العدل.
غاوون من الملإ، أنتم نصيبٌ مفروض تتبعون أهواء النفس الأمّارة، تعيشون أوهام الفضيلة والاستعلاء، اتخذتم السدنة والرهبان وَليجةً، وظننتم أن الوصاية تعفيكم من مساءلة الذات، وانكفأتم عن الهِداية والتقيّة، وجحدتم بسنن الخالق في اختلاف الخلق، (فلا تُزكّوا أنفسكم)، فالتزكية التي تُعلن نفسها تفقد معناها، والفضيلة التي تحتاج إلى خصمٍ دائم لتثبيت وجودها ليست فضيلة، بل قلقٌ متستر.
المجتمعات المنغلقة لا تحتاج شعارات، بل وعياً إنسانياً يعيدها إلى تواضعها، لتدرك أن الكرامة لا تُبنى على إسقاط الآخرين، لنا الهَون لتواضعنا، ولكم الهُون لاستعلائكم، فالإنسان لا يسمو بإنكار غيره، بل حين يواجه ذاته بصدق، ومن عرف نفسه بعدل، عرف الآخر بإنصاف، وسقطت عنه أوهام الفضيلة التي طالما عبدها.