استعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

الجزء الثالث

أ.د. محمد الربيعي

مدونة وطنية لأخلاقيات البحث والنشر

ولمواجهة هذا التحدي البنيوي، لا بد من تبنياصلاحات جذرية تبدأ باصدار مدونة وطنية لأخلاقياتالبحث والنشر، تحدد فيها المعايير الاخلاقية والسلوكيةللباحثين، وتعتمد رسميا في الجامعات والمؤسساتالبحثية. كما ينبغي تأسيس وحدات تحقيق مستقلةداخل الجامعات، تعنى بمتابعة الشكاوى، والتحقيقفي حالات الانتحال او الغش، وتصدر توصياتهابشفافية وعدالة. ومن الضروري ايضا توفير ادواتتقنية متقدمة لكشف الانتحال، وتدريب الكوادرالاكاديمية على استخدامها، وربط تمويل المجلاتوالمؤتمرات العلمية بالتزامها الصارم بفحص النزاهةوتطبيق معايير التحكيم العلمي. وفي هذا الاطار،يقترح تأسيسالهيئة العراقية للنزاهة العلميةكجهازوطني مستقل، يعنى بوضع السياسات، ومراقبةالالتزام، وتقديم الدعم الفني والتدريبي، بما يسهم فياستعادة الثقة بالمنظومة البحثية، ويعيد الاعتبارللباحث النزيه ويحصن الجامعة من التلاعب والتزييف.

التربية على البحث والنشر لا يمكن ان يطلب منالطالب العراقي ان ينشر بحثا علميا وهو لم يتعلم بعدكيف يكتب بطريقة اكاديمية، او كيف يحكم الاعمالالعلمية، او كيف يوثق المصادر بشكل منهجي. فالنشرليس مجرد اجراء شكلي، بل هو ثمرة لتكوين معرفيومهاري متكامل. لذلك، يجب ادماج مهارات البحثوالكتابة الاكاديمية في مناهج الدراسات العليا بشكلمنهجي، وانشاء مختبرات بحثية تحاكي تجربة النشرالحقيقي، وتشجيع النشر المشترك بين مجموعات منالطلبة، وتوفير مرشدين اكاديميين متخصصين يتابعونالطلبة خطوة بخطوة. هذه الاجراءات ستسهم في بناءجيل جديد من الباحثين القادرين على الانتاج الرصين،والمتمكنين من ادوات البحث، والواعين بأخلاقياته، ممايعيد الاعتبار للجامعة كمؤسسة علمية منتجة لا مجردجهة مانحة للشهادات.

ربط البحث بالسياسات العامة لا تزال نتائج الابحاثبعيدة عن دوائر صنع القرار، رغم الحاجة الماسة الىسياسات مبنية على الادلة. المطلوب هو الزام الوزاراتبالرجوع الى الابحاث المنشورة، وانشاء قواعد بياناتتربط نتائج الابحاث بالمشكلات التنموية، وتنظيمحوارات دورية بين الباحثين وصناع القرار. وفي هذاالسياق اقترح تاسيسوحدات ترجمة البحث الىسياسةداخل الجامعات سيكون خطوة لتحويل المعرفةالى ممارسة.

التكامل الوطني والاقليمي تفتقر الجامعات العراقيةالى منظومة وطنية موحدة للبحث والنشر العلمي، ممايؤدي الى تكرار الجهود، وتضارب المعايير، وتشتتالانتاج البحثي بين مؤسسات لا تتواصل فيما بينهابشكل فعال. ولتجاوز هذا التحدي، تبرز الحاجة الىانشاء بوابة وطنية رقمية تربط المجلات والباحثين،وتوحد معايير التحكيم والنشر، وتشجع التعاونالبحثي بين الجامعات العراقية. كما ان الانفتاح علىالتعاون العربي والاقليمي يعد ضرورة استراتيجية،سواء عبر مشاريع بحثية مشتركة، او تبادل الخبرات،او ربط المنصات الوطنية بشبكات عربية اوسع، بمايسهم في تعزيز جودة البحث، وتكامل المعرفة، ورفعمكانة العراق العلمية في محيطه العربي.

من البحث الى الاثر ان اصلاح منظومة البحث والنشرالعلمي في العراق ليس ترفا فكريا، بل هو استثمارفي السيادة المعرفية، وبناء لاقتصاد قائم على الابتكار،واستعادة لدور العراق التاريخي في انتاج المعرفة. فكلمشروع بحثي ينفذ بنزاهة، وكل ورقة تنشر باحتراف،وكل فكرة توثق وتناقش، هي لبنة في بناء عراق علمي،حر، ومؤثر في محيطه والعالم.

إن تجاوز الأزمة يتطلب إرادة سياسية وأكاديميةجادة، تعيد الاعتبار للعلم كأداة للتنمية لا كوسيلةللولاء. الإصلاح يبدأ من بناء بيئة جامعية تحترم الكفاءةوتكافئ الإبداع، وتربط البحث العلمي بحاجاتالمجتمع لا بمصالح النخبة الحاكمة. عندها فقط يمكنأن يتحول البحث إلى قوة إنتاجية تسهم في معالجةأزمات العراق، وتفتح الطريق أمام نهضة معرفية تعيدللجامعة دورها الريادي في بناء المستقبل

قد يعجبك ايضا