الباحث: فهمي الكاكائي
الجزء الأول
التعريف والتسمية:
إن فلسفة وتاريخ هذه العقيدة (الدين) حالها حال العقائد الباطنية الأخرى محاطة بالضبابية وعدم الوضوح. فلسفة المعتقد هذا وتاريخه وکل النصوص المقدسة محتفظة بها بشکل سري، کما هو الحال مع الطقوس الدينية التي تقتصر فقط على أبناء هذا المعتقد، ومن ناحية أخرى فالمعتقد هذا ليس تبشريیا وبالتالي فإنه لا يبحث عن أعضاء جدد کما هو الحال مع الاسلام والمسيحية. ربما يکون هذا سببا آخر لعدم تعريف الآخرين بە. کل من ولد من أبوين ينتمیان إلى هذا المعتقد وبعد اجراء بعض المراسيم الدينية يصبح عضوا في المعتقد، أي أن المولودون الجدد يولدون أحرارا من أي دين. لکل هذا فإن أبناء هذا المعتقد لم يقوموا بالبحث والتنقيب والدراسة عن فلسفة معتقدهم الذي أورثوه أبا عن جد بشکل من الأشکال وبالتالي فإن الآخرين الذين هم خارج المعتقد لم يکن بإمکانهم دراسة المعتقد والبحث والتنقيب عنه بشکل علمي.
لقد صدرت بعض المنشورات والبحوث على شکل دراسات وکتب، لکنها ليست على المستوى المطلوب کونها تفتقر إلى طابع البحث العلمي ولا تستند الى المصادر الموثوقة لذا فإنها أعطت صورة غير واضحة عن المعتقد وکل کاتب قام بتفسير المعتقد حسب أهواءه دون الرجوع إلى النصوص الدينية والإستناد إليها.
المعتقد هذا هو معتقد توحيدي، وکما قلنا سابقا غير تبشيري، ليس لديهم نبي مرسل، إنما لديهم دعاة قاموا في بداية ظهور المعتقد للتبشير بە، وبعد حين إنتهت فترة التبشير وتحول الى الباطنية لظروف موضوعية لم يکن التغلب عليها سهلا.
سبب عدم وجود نبي مرسل هو الفلسفة التي بني عليها المعتقد وهو التجلي والتناسخ. فالرب ليس في السماء جالسا على عرشه إنما هو يظهر بيننا جميعا، لذا فلا حاجة له بأن يرسل لنا رسولا وکتابا. الإنسان بحد ذاتە مخلوق يرتابه الشك ويحتاج إلى البراهين فالتجليات لديه مهم. إذن لماذا يتسم الدين بالباطنية عندما يتجلى المولى عز جلاله؟
الحقيقة وکما أشرنا سابقا فالمعتقد هذا لم يکن باطنيا في البداية، ففي القرن السابع للهجرة عندما قام السلطان إسحاق البرزنجي وهو نجل الشيخ عيسى البرزنجي ببعث هذا المعتقد وإرساء أرکانە وتقنينه من جديد فهو قام بذلك بشکل علني، کما هو الحال مع الذين سبقوه من أمثال بهلول الماهي(العاقل)، مبارك شاه اللرستاني، بابا ناووس و بابا سرهنگ، لکن وبسبب المضايقات والاضطهاد الديني تم الإنتقال إلى مرحلة الباطنية والتي هي مستمرة إلى يومنا هذا.
إسم العقيدة:
لقد أطلق على هذا المعتقد بين أتباعه وخارجهم أسماء عديدة، نتناول هنا أکثرها شيوعا، ألا وهو: الکاکائية، أهل الحق واليارسانية.
1. الکاکائية:
کما هو معلوم لدى الجميع فإن هذه التسمية تأتي من کلمة “کاکا” وتعني هنا الأخ الأکبر، مع أنه في بعض مناطق کوردستان يطلق کلمة کاکا على الأب أيضا، أي ينادي الفرد أباه بهذه الکلمة والتي تدل على عمق العلاقة وخصوصيتها بين الأب وإبنه، فتعاملهم مع البعض يکون بين الأخ وأخیه الأکبر.
يظهر بأن سالکي هذا المعتقد نادوا بعضهم بعضا بهذ الکلمة أي “کاکا” يعني ذلك بأنهم أخوة فيما بينهم. إن هذه الکلمة تم استعمالها للمنادات في عصر السلطاق إسحاق البرزنجي والذي کان يعيش في قصبة برزنجة من أعمال محافظة السليمانية في جنوب کوردستان في القرن السابع والثامن للهجرة ويعتبر کما أسلفنا مجدد ومقنن هذە العقيدة.
نستند في کلامنا هذا على ترتيلة دينية للشاه إبراهيم بن السيد محمد گورەسوار، حيث يقول باللهجة الگورانية (ماچۆ) وهو يتکلم عن تناسخه:
أبراهيم نسر
بقاي دور دين ياريم کفت نسر
إبراهيم بيانم فرزند آزر
بتم شکست دا بيم وه بيغمبر
کاکام يادگار إسماعيل بياني
سرش بي وه راي حق وه قورباني
(بالإملاء الکوردي)
ئيبراهيم نهسهر
بهقای دهور دين یاریم کهفت نهسهر
ئیبراهیم بیانم فهرزهند ئازهر
بتم شکست دا بیم وه پێغه مبهر
کاکام یادگار ئیسماعیل بیانی
سهرش بی وه ڕای حه ق وه قوربانی
المعنی بالعربية: أنا تجسد إبراهيم من البدء (يقصد النبي إبراهيم) وقد حطمت الأصنام وأصبحت نبيا وکاکا يادگار کان تجسدا لإسماعيل (القصد إسماعيل إبن إبراهيم) الذي قدم قُرْباناً للحق (لله). کاکا يادگار، هو السيد أحمد الملقب ب(باوه يادگار) من کبار الکاکائیة ومن المعاصرين للسلطان وواحد من الحلقة الدينية المقدسة (هفتن) ومسؤول الشؤون العرفانية.
نذکر هنا ترتيلة دينية أخرى من القرن الثامن وباللهجة الکوردية الوسطى(سوراني) للعارف عابدين الجاف، حيث يقول:
أز که ويل بوم له جي و شارم
بلدمي کرد شاي شاسوارم
مني خسته سر ري راسي
هتا بژيم به بيکاسي
من (عابدين) کاکهييم
اخر به ياري خوم گوييم
(بالإملاء الکوردي)
ئهز که وێڵ بووم له جێ و شارم
بهڵهدمی کرد شای شاسوارم
منی خسته سهر ڕێی ڕاسی
ههتا بژیم به بێکاسی
من (عابهدین)ی کاکهییم
ئاخر به مهرامی خۆم گهییم
المعنی بالعربية: أنا الذي کنت تائها وضالا، قد دلني ربي وأهداني إلی طريق الهداية والحق لکي أعيش منوّرا بنوره دون حيرة وضلال، أنا عابدين الکاکائي ها قد نلت مرامي. من الجدير بالذکر أن جميع أتباع هذا المعتقد والذين يعيشون في المنطقة الجغرافية المسماة بجنوب کوردستان أو إقليم کوردستان العراق يسمون بالکاکائية.
2. أهل الحق:
کل الذين يعيشون في شرق کوردستان أو مايسمى بکوردستان إيران فيسمون بـ(أهل الحق)، القصد من کلمة الحق هو الله جل جلاله، أو المولى کما يسميە أتباع هذه العقيدة. لکنني لم أرى لحد الآن هذه التسمية في الکتب الدينية المقدسة لديهم. مع هذا فتسمية “أهل الحق” يعادلها تسمية “يارسان” والتي نشرحها هنا:
اليارسانية: هناك تفسيران لهذه التسمية:
التفسير الأول: التسمية مرکبة من کلمة (يار) واللاحقة (سان)، کلمة يار تعني الحبيب أو المعشوق أو رفيق الدرب والفکر، أما اللاحقة سان فالقصد منها السلطان إسحاق البرزنجي والذي سبق ذکره، ففي منطقة هورامان بکوردستان تخفف کلمة سلطان إلی سان، وبهذا فالتسمية تعني محبي السلطان أو عشاقه وهذه التسمية تأتي کثيرا في الأشعار الدينية.
التفسير الثاني: إن کلمة (يارسان) هي تخفيف لکلمة (يارستان) واللاحقة (ستان) هنا لا تعني المکان کما هي في کلمة کوردستان أو هندستان أو باکستان والخ.. بل تأتي اللاحقة بمعنی أتباع أو من علی عقيدة، وکلمة يار يقصد به الله، لذا فالتسمية تعني أتباع الله أو أهل الله.
إن التفسير الثاني هو الأقرب إلی الحقيقة منه إلی التفسير الأول، الدليل علی ذلك هو أن التسمية وردت في الأشعار الدينية التي کتبت قبل ظهور السلطان إسحاق البرزنجي وخصوصا في الأشعار التي نظمها الشاه خوشين والذي عاش قبل السلطان بحوالي ثلاثمائة سنة.
يقول الشاه خوشين اللورستاني في إحدی أشعاره الدينية وهو يشرح الفلسفة التي بنيت عليها معتقد الکاکائية:
يارسان و را
راي حق راسيين برانان و را
پاکي و راستي و نيستي و ردا
قدم و قدم تا و منزلگا
(بالإملاء الکوردي)
يارسان وه ڕا
ڕای حهق ڕاسییهن بڕانان وه ڕا
پاکی و ڕاستی و نیستی و ڕهدا
قهدهم وه قهدهم تا وه مهنزڵگا
المعنی بالعربية: أيها المؤمنون بالحق، إن طريق الحق هو الصواب، فأسلکوه بما أراده الله وهو: النقاء والعدالة والفناء والتضامن، أخطوها خطوة خطوة لکي تصلوا إلی المنزل (القصد هو الباري تعالی).
الخلاصة: إسم الديانة (اليارسانية)، في العراق يُسَمَّون بالکاکائية وفي إيران بأهل الحق.
انتهى الجزء الأول
الصورة:
يقع مرقد سلطان سهاك ويكتب كذلك إسحاق يقع في منطقة شيخان قرب جسر برديفار في كوردستان بمحافظة كرمنشاه الإيرانية، وتعتبر احد أهم المزارات المقدسة للديانة الكاكائية (اليارسانية)، حيث يعتبر سلطان سهاك مؤسس الديانة ومظهر الحقيقة. يقع المرقد في منطقة جبال هورامان، ويقصده الأتباع للزيارة وتقديم النذور، خاصة مع بدا فصل الربيع.