عبد الأمير الورد… آخر الفصحاء وصوت العربية اليقظ

محمد علي محيي الدين

وُلد الدكتور عبد الأمير بن محمد أمين بن جعفر الوردي عام 1933 في مدينة الكاظمية، تلك المدينة التي تتنفس تاريخ بغداد وتفيض بعبقها الروحي والثقافي. وفي مدارسها شبَّ الفتى محاطًا ببيئة تحترم العلم وتقدّر أهله، فكان أن أكمل دراسته فيها قبل أن يلتحق بجامعة بغداد، حيث نال بكالوريوس اللغة العربية عام 1958، ثم مضى في طريقه الأكاديمي حتى حصل على الماجستير، فالدكتوراه في النحو واللغة عام 1978.
تفتحت مواهبه مبكرًا بين الشعر واللغة والمسرح. كتب الشعر في بداياته، ثم آثر أن يهب حياته لدرس العربية، منصرفًا إلى النحو ومشكلاته والعروض، يدرّس ويبحث وينقّب في تراث اللغة التي عشقها حتى الرمق الأخير. تنقّل في تدريسه بين جامعة بغداد وجامعة السليمانية، وأكاديمية الفنون الجميلة، وكلية الإدارة والاقتصاد، فكان الأستاذ الذي يهابه الطلبة، ويأنسون بفصاحته، ويستظلون بظله العلمي الوارف.

لم يكن عبد الأمير الورد أستاذًا جامعيًا فحسب، بل كان صوتًا فنيًا وثقافيًا متعدّد المواهب. فقد نال عضوية نقابة الفنانين العراقيين، وكان عضوًا في الفرقة الشعبية للتمثيل، وفرقة المسرح الفني الحديث، واتحاد الأدباء، مما أكسبه حضورًا واسعًا في الوسط الثقافي. نشر شعره وبحوثه ودراساته النحوية في المجلات المتخصصة، وترك بصمة خالدة ببرنامجه الإذاعي الشهير الذي كان يصحح فيه الأخطاء اللغوية، حتى صار صوته مرجعًا للغتهم اليومية.
هاجر عام 1990 للتدريس في جامعة درنة الليبية، ثم إلى صنعاء عام 2000، وبقي هناك حتى عام 2004، إذ عاد إلى بغداد ليواصل رسالته في زمن كانت فيه الثقافة محاصرة، والعلم محاطًا بشيء من العتمة. ومع عودته عاد صوته الفصيح الذي لا يعترف باللهجات في التعليم والمحادثة، فقد كان يؤمن بأن العربية هي ما تبقى رابطًا موحدًا للعرب، وأن من لا يعرف الفصحى لا يحق له الادعاء بالعروبة. ومن هنا جاء مشروعه الطموح في “إبدال الفصحى في الحياة العامة” تدريجيًا، عبر تشجيع المدارس والبيوت والأسواق على استخدامها، إيمانًا منه بأن الناس إذا استخدموا العربية فَهِموها، وإذا فهموها أحبوها.
وكان الورد من رواد المجالس البغدادية، كثيرًا ما شاهدته في مجلس العلامة الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، يتحدث بلسان فصيح لا تشوبه عامية، سريع البديهة، قوي الحجة، له آراء صائبة في النحو واللغة، حتى غدا مجلسه مدرسة قائمة بذاتها. وقد خُلد جهده العلمي في رسائل جامعية، منها رسالة الماجستير للسيد مؤيد عبد الجبار خضير عام 2008 عن “الدراسات اللغوية والنحوية عند الدكتور عبد الأمير الورد”.
امتد عطاؤه العلمي في مؤلفاته المتنوعة، منها: منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية، تحقيق كتاب الأخفش معاني القرآن،في رحاب الصحيفة السجادية، المدارس النحوية بين التصور والتصديق، المعركة – قصائد شعرية، الظئريات في اللغة، ديوان شعره، مقدمة في أدب الوالدين، عين من العين على العين والمعجم العربي، شرح ابن جني لديوان المتنبي، إضافة إلى نصوص مسرحية منها مسرحية رياح الخريف.
وقد اهتم الورد اهتمامًا خاصًا بالأخفش الأوسط، فأفنى سنوات في دراسته وتحقيق منهجه، جامعًا بين الرواية والتحقيق والتحليل، ليصدر كتابه الشهير منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية عام 1975.
ولم يغب أثره عن المعاجم الحديثة، فقد وردت سيرته في معجم الأدباء لكامل سلمان الجبوري، ومعجم الشعراء لأميل يعقوب.
وحين رحل الورد، وقف الوسط الثقافي العراقي مودّعًا آخر الفصحاء. أقام الاتحاد العام للأدباء والكتّاب جلسة تأبينية، قال فيها فاضل ثامر: “فقدت الساحة الثقافية واحدًا من ألمع رجالها، عطاءً وعشقًا للعلم والفن… كان الراحل طاقة هائلة ومتنوّع المواهب.”
وقال الناقد علي الفواز إن الورد “رفض أن يمدح الطغاة، فهاجر، وحين عاد رفضته الكلية التي أفنى عمره فيها”، فيما أشار الدكتور خليل إبراهيم إلى أنّ الورد “لم يكن شاعرًا أو فنانًا كبيرًا، لكنه كان صانع حراك ثقافي حقيقي بلغة عربية صارمة لم يتنازل عنها يومًا”. أما الشاعر عبد الحميد الجباري فبكى غياب رجل “أعطى كل شيء ولم ينل ما يستحق”.
ووصفه عبد الإله الصائغ بأنه “فنان شامل متعدد المواهب، نخبوّي في زمن المحاصصة والخرافة”، فيما قال عنه حسن ناظم: “سيستأنف عبد الأمير الورد حياته في الوجدان والذاكرة… في ذاكرة تلامذته، وفي ذاكرة اللغة.”
رحل عبد الأمير الورد في 13 يوليو 2006، بعد أن ترك وراءه إرثًا لغويًا وفنيًا لا يقل إشراقًا عن تلك الروح التي كانت ترى في الفصحى حصن العروبة الأخير، وفي العلم درب النجاة، وفي العراق رسالة لا يبتلعها النسيان.

قد يعجبك ايضا