د. إبراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد- القانون الدستوري والنظم السياسية
المقدمة
لا تُختزل المؤسساتية في كونها مجرد هياكل تنظيمية أو آليات إدارية، بل تمثل فضاءً فلسفياً–سياسياً يلتقي فيه مفهوم الشرعية بالسلطة، والقانون بالفعل، والإرادة بالضرورة.
وفي البيئات الانتقالية، كما هو الحال في العراق وإقليم كوردستان، يتحول هذا التقاطع إلى ميدان دائم للتوتر بين النصوص الدستورية والديناميات السياسية الواقعية. وتكشف التجارب الراهنة عن محدودية الأطر غير الرسمية في إدارة النزاعات الكبرى وتحقيق توافقات مستدامة.
ينبثق عن هذا الواقع سؤالان محوريان:
1. كيف يمكن للشرعية القانونية أن تحتضن التوافقات السياسية دون أن تتحول إلى إطار شكلي فارغ؟
2. كيف يمكن للمؤسسات أن توازن بين النصوص الدستورية والفاعلية السياسية لضمان استقرار مؤسساتي متين؟
تنطلق هذه الدراسة من تحليل تجربة الإطار التنسيقي في العراق بعد انتخابات 2021 بوصفها نموذجاً غير مكتمل لإدارة التوافقات السياسية، وتقترح في المقابل إنشاء مجلس دستوري مؤقت لإقليم كوردستان كآلية مبتكرة تجمع بين الصرامة القانونية ومرونة الفعل السياسي، مستفيدة من التجارب الدولية في إدارة الانتقالات المعقدة.
أولاً: الأسس النظرية للمؤسساتية والشرعية الدستورية
1. مفهوم المؤسساتية
المؤسساتية هي منظومة القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تنظّم السلوك السياسي وتؤثر في عملية اتخاذ القرار. وهي ليست أدوات تقنية فحسب، بل فضاءات رمزية للشرعية، يتفاعل فيها القانون مع الثقافة السياسية والإرادة الاجتماعية.
2. المقاربات الفلسفية للشرعية
– ماكس فيبر: تقوم الشرعية العقلانية – القانونية على بيروقراطية منظمة تجعل القانون معيار السلطة، ويشكل الانضباط الإداري أساس الاستقرار.
– جان جاك روسو: يُعدّ الدستور تجسيداً للإرادة العامة، وتتحقق الشرعية عبر العقد الاجتماعي والمشاركة السياسية.
– يورغن هابرماس: لا تُستمد الشرعية من النصوص فقط، بل من الفعل التواصلي الذي يحول المؤسسات إلى فضاءات للحوار والتفاوض المستمر.
٣. المؤسساتية وأنماط فعالية الشرعية الدستورية
المؤسساتية ليست مجرد بنية قانونية، بل هي بنية أنطولوجية للشرعية تتشكل عبر التفاعل بين النصوص الدستورية والفاعلية السياسية، وبين القانون والثقافة والخطاب الاجتماعي. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط لفعالية النظام الدستوري:
– سيادة النص دون فاعلية سياسية، تؤدي إلى الجمود المؤسسي.
– هيمنة السياسة دون إطار دستوري، تؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار
– التوازن بين النص والفاعلية، يمثل النموذج الأمثل للشرعية المرنة
ثانياً: الأطر غير الرسمية وتجربة الإطار التنسيقي في العراق
1. نشأة الإطار التنسيقي
عقب انتخابات 2021، برز (الإطار التنسيقي) كآلية لإدارة التوافقات بين القوى السياسية خارج الإطار الدستوري الرسمي.
2. حدود التجربة
– غياب الشرعية الدستورية: لم يكن الإطار مؤسسة قانونية ملزمة
– استمرار نظام المحاصصة: تغليب التوافقات السياسية على قواعد القانون
– تغليب ميزان القوة على حكم القانون: مما أضعف قدرة الإطار على إدارة النزاعات الكبرى
3. التحليل الفلسفي والسياسي
يمكن فهم الإطار التنسيقي بوصفه (مؤسسة ظل) تعكس أزمة الشرعية في النظام السياسي العراقي. ووفقاً لنظرية (حالة الاستثناء) لدى كارل سميت، تظهر لحظة تُعطّل فيها النصوص لصالح الضرورة السياسية، مما يؤدي إلى هشاشة مؤسساتية وتراجع الثقة العامة.
وعليه، فإن هذه التجربة تمثل نموذجاً لهيمنة السياسة على الدستور، وهو ما يهدد الاستقرار ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ثالثاً: الإطار القانوني البديل – المجلس الدستوري المؤقت
يهدف هذا الإطار إلى إقامة مؤسسة دستورية مؤقتة تعمل كأداة انتقالية لتحقيق غايتين متكاملتين: فالغاية الأولى هي الحفاظ على استمرارية الشرعية القانونية ومنع انقطاعها أو اهتزازها خلال المرحلة الانتقالية، والغاية الثانية هي تمهيد الطريق نحو المؤسسات الدستورية الدائمة، من خلال توفير إطار واضح ومستقر يتيح المجال لإقرار دستور دائم يرسّخ الاستقرار المؤسسي والسياسي
1. التشكيل المقترح
يتكوّن المجلس من:
– خبراء في القانون الدستوري والقضاء وعلم السياسة.
– ممثلين عن القوى السياسية لضمان التوازن
– شخصيات قيادية سابقة (رئيس الإقليم، رئيس الحكومة، رئيس البرلمان، رئيس القضاء الأعلى) بعد انتهاء ولايتهم.
2. الاختصاصات والصلاحيات
يتولى المجلس الدستوري المؤقت المهام الآتية:
– الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة.
– الفصل في النزاعات بين السلطات.
– تفسير النصوص الدستورية ( القوانين الاساسية) عند الغموض.
– المصادقة على ترشيحات المناصب السيادية.
– النظر في الاتهامات الموجهة لكبار المسؤولين.
– المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات.
– تقديم توصيات ملزمة لتشكيل الحكومة.
– إدارة التوافقات السياسية ضمن إطار قانوني مؤسسي.
3. الإطار الزمني لعمل المجلس:
– يكون المجلس مؤقتاً ومحدداً زمنياً.
– تُعاد الصلاحيات تدريجياً إلى المؤسسات الدستورية الدائمة بعد انتهاء مهمته،
– يُمنع تحوّله إلى سلطة موازية أو دائمة.
الخاتمة
يمثل المجلس الدستوري المؤقت نموذجاً متقدماً لـ المؤسساتية الحية التي تدمج الفاعلية السياسية ضمن إطار دستوري دون أن تسمح بتجاوزه. فالشرعية ليست نصاً جامداً، بل عملية ديناميكية تتشكل من التفاعل المستمر بين القانون والثقافة والخطاب السياسي.
ويسهم هذا النموذج في:
– إنهاء ازدواجية السلطة.
– تعزيز الاستقرار المؤسسي.
– ترسيخ شرعية دستورية مرنة.
– استيعاب التوافقات السياسية ضمن إطار قانوني واضح.
وبذلك يمكن تأسيس دولة قانون فاعلة، يلتقي فيها القانون مع السياسة في علاقة تكامل لا صراع، بما يضمن استدامة الدولة وتعزيز الثقة العامة بالمؤسسات.