نبيل عبد الأمير الربيعي
الكاكائية كعقيدة يختلف الكثير في الإحاطة التامة والشاملة لجزئياتها، والبحث في أصولهم كمذهب أو طائفة أو نِحلة باطنية أو عشيرة، بسبب التخفي في إقامة الشعائر الدينية والتظاهر بغير المعتقد الأصلي لمجاراتهم لمن جاورهم من الفِرق الأخرى.
والكاكائية من الجماعات التي تمنع أفرادها منعاً باتاً من إفشاء أسرار معتقداتهم، لذلك عندما تبحث عن مصادر المعلومات والكتب التي كتبت عنهم تجد من الصعوبة التوصل لحقيقتهم، ولذلك فالغوص في معرفة هذه النِحلَة وجودت الصعوبة في ذلك، حتى كنت أقرأ واتابع المصادر وأتركها لفترات زمنية طويلة ثم أعود للكتابة، لكنني كُنت تواقاً لمعرفة الحقيقة التي تحيط بأصولهم وعقائدهم، فكان الهدف من هذا الكتاب لأرفع الحُجب والغُبن عن هذه النِحلة في دراستي هذه.
كما كان اطلاعي على كتاب المحامي عباس العزاوي (الكاكائية في التاريخ) حفزني لكتابة الحقائق بشكل موضوعي ومحايد عن هذه النِحلة، لأيبين للقارئ الحقيقة كما هي لا كما رآها العزاوي، الذي أساء لهذه النِحلة بكتابه (الكاكائية في التاريخ الصادر عن مكتبة النهضة العربية، والذي هبط بنظر الباحثين بسبب هذا الكتاب. إلا أن المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي (1877-1966م) يرى فيهم المؤاخاة من خلال قوله: من طريف عاداتهم الموآخاة، وعلي بن أبي طالب عند الأخيين (الكاكائيين) مثال الفتى أو الكاكا الأول، وتأريخياً لهذه الفكرة صلة بالقول المشهور: لا فتى إلاّ علي، ولا سيف إلاّ ذو الفقار. وقد استطاع مينورسكي أن يكشف الكثير من أسرار الكاكائية من خلال مقاله (أهل الحق)، ويريد به الكاكائية، في الجزء الثالث من دائرة المعارف الإسلامية، حيث قُيَّض لهُ الحصول على أهم كتاب مقدس لهم وهو (سرنجام) وترجمته إلى اللغة الروسية، وقد طبع عِدَّة مرات.
وهناك شرح آخر للمستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي قد يعيننا، وهو التساءل: لماذا ترى هذه الجماعة نفسها كـ(أهل للحق). والسبب هو أنّ الألوهة عند هذه الديانة لا تنبئ عن نفسها بواسطة مبعث رسل وأنبياء، كما في الديانات الإبراهيمية، بل أنّ الألوهة أي الحق تتجلّى بنفسها في سلسلة من “المظهريات” الإلهية، التي ترتدي أجساماً طبيعية بشريّة.
والكاكائيون يؤمنون بتناسخ الأرواح وانتقالِها من بدن إلى آخر، ويرون أن الملائكة تتقمص صورة البشر. وتتسم الديانة الكاكائية بالتسامح، وتؤمن بمبدأ أن الروح خالدة وأن الجسد فانٍ، وإن الروح تعود للحياة في مجتمعات أخرى وفي جسد آخر قد يكون من ديانة أخرى، لذلك الإيمان بوحدة الله هو أحد سمات الديانة الكاكائية، وهذا أحد أسباب وحدة المجتمع والدعوة للعيش بسلام لدى أتباع هذه الديانة، بينما تحتل الموسيقى مكانة خاصة لديهم، وهي حالة عرفانية يمتازون بها، ولآلة الطنبورة الموسيقية على شكل (عود بعنق طويل) مكانة دينية لديهم. أما صلاتهم فهم يصلّون مرتين في اليوم قبل بزوغ الشمس وأثناء غروبها، ويصومون يوماً واحداً في كل سنة ويسمونه يوم (الأستقبال)، وبعده يصومون ثلاثة أيام ويدعونها (أيام الصوم) ويوم آخر يسمونه يوم (العيد). وهم لا يراعون العبادات والتكاليف ويعرفون (بالنيازية) أي أصحاب النذور، وينقسم الكاكائيون إلى أصحاب النذور وأصحاب الصلوات. كما يدعون غيرهم (بالتمازية) أي أهل الصلوات، ويُحرمون الخمر ولا يبيحون تعدد الزوجات، كما أنهم يقدسون يومي الاثنين والجمعة.
وتتكون هذه الديانة من عدّة طبقات وهي: طبقة “السادة” وهم الأمراء ورؤساء الدين، وطبقة “الدليل” أو “الپير” ويسمى الواحد منهم المرشد أو مام أو بابا، وطبقة “الأخوان” وهم الباقون المعروفون بالعامة الكاكائية ويكون بينهم التعاون والمساعدة تطبيقاً لمبدأ الأخوة، وسنشرح ذلك في أحد الفصول هذا الكتاب.
ويتميز الكاكائيون بالشارب الطويل الذي يعد إرثاً ثقافياً ودينياً، ويحافظون على استمراريته، إضافة إلى زيهم المميز، الذي يتكون من “الصاية”، وهو رداء طويل يشبه العباءة البدوية، والسترة، وربطة الرأس التقليدية.
ولديهم كتب مقدسة لا يفضلون أن يطّلع عليها أحد مثل (خطبة البيان)، وتتضمن (خطب ونصوص للإمام علي)، يعدونه من أعظم كتبهم وأقدسها، وكتاب (جاودان عرفي) وهو كتاب الطريقة الحروفية الصوفية، ويعد من كتبهم المهمة، وهو منتشر باللغتين التركية والفارسية، وكتاب (كــلام الخــزانــة أو سرانجام) المدون في القرنين السابع والثامن الهجري ويتكون من ستة أجزاء. ويعتبر في رأيهم وحياً مُنزّلاً، ويرون فيه تعاليم كاملة، ونهجاً قويماً، ومرشداً لهم في الحياة، يستندون إليه في حل كل مسائلهم الدينية والدنيوية. ومن كتبهم أيضاً، كتاب (حياة) و(التوحيد) لسلمان أفندي الكاتبي، و( يارسان)، وتُضاف إلى هذه الكتب دواوينَ شعرية، تُتلى كأدعية وابتهالات في تجمعاتهم.
والعقيدة الكاكائية تشبه كل العقائد المغالية بتقديس الإمام علي، كـ(العلي اللهية)، والعلوية في سوريا (النُصيرية)، وكذلك علوية تركيا (القزلباشية)، وكلها تتشابه إلى حد ما مع العقائد القائمة على فكرة أن الله يتمثل للناس عن طريق تلبسه هيئة إنسان، فلدى المسيحية كان (النبي عيسى)، وعند الغلاة كان (الامام علي). وهم يتشابهون عقائدياً مع طائفة (أهل الحق، العلي إلهية) والصارلية، واليارسانية. ويتكونون من هرم ديني اجتماعي، ينقسم إلى طبقة (السادة) المنحدرين من إمامهم الأول الشيخ السلطان أسحق بن عيسى البرزنجي، وطبقة (الدلي، الپير)، وأعضائها يسمون بـ(مام أو بابا أو مرشد) وطبقة (الإخوان) أي الكاكا وهم أبناء الشعب.
وقد ذكر عباس العزاوي في كتابه (الكاكائية في التاريخ) ص70 عن عقائدِهم الخاصة أنهم يحترمون يومي الأثنين والجمعة، ويَتْلون الأدعيةَ الخاصّةَ بهم، ويقـرّون الطلاقَ، ولكن برضى الرجل والمرأة، فهو عندهم كعقد الزواج، لا يجوز إلاّ برضى الأثنين، لكنهم لا يبيحون تعددَ الزوجات، وإلاّ يتزوج الشيخُ أبنة مريده، ولا يتزوج المريدُ ابنة شيخه.
ومن أهم مناطق تواجد الكاكائيين في العراق، هي محافظة كركوك، قضاء داقوق، والقرى التابعة لهما وكذلك في محافظة نينوى في قضاء الحمدانية، وفي أربيل في قضاء خبات، وفي ناحية كلك والسليمانية ومحافظة حلبجة، وفي قضاء كلار وخانقين والقرى المجاورة، وفي قضاء مندلي. كما أن هنالك أُسرٌ كاكائية في بغداد وعدد من المحافظات الأُخرى. ويُقدِّر سعد سلوم الباحث في شؤون الأقليات العراقية إن عدد الكاكائيين في العراق حوالي المائتي ألف نسمة.
أما قومية الكاكائيين فهي الكورانية الهورامية، فيتميزون عن باقي الاكراد بلغتهم (الهورامية الكورانية) الخاصة، ونزعتهم الحديثة باعتبارهم قومية هورامانية خارج نطاق القومية الكردية، وقبل تأثيرات الأحزاب القومية الكردية في أواسط القرن الماضي، كانوا يرفضون أن يقال عنهم أنهم (كُرد) بل (كاكائية)، بسبب العنصرية التي عانوا منها لخصوصية عقيدتهم. وهم يعيشون جنب إلى جنب مع الشبك. ومختلطون كثيراً مع التركمان والعرب، وثقافتهم ومزاجهم أقرب إلى عرب العراق ومدن الموصل وكركوك وبغداد.
ومن الناطقين باللغة الهورامانية (أو الهورامية) حوالي 500 ألف هورماني في عموم شمال العراق، شرق السليمانية وفي كركوك وقرب الموصل. وتعتبر (الهورامانية) من أولى اللغات الأدبية الكُردية، حيث دُوَّن فيها الكُتّاب الأكراد الأوائل في العراق وإيران، منذ أواخر القرن التاسع عشر، والكثير منهم كانوا من أبناء الطائفة الكاكائية، ومنهم (وشاخوشين) (لورستاني)، (بلول مائي)، و(باوا رجب)، و(باوا قيصرهوراماني)، (قازي نبي سه ركه تي)، الذين كانوا جميعاً يعتنقون المذهب الكاكائي، وهناك شعراء بارزين أخرين مثل (صيدي هوراماني)، و(بيساراني مولوي)، و(ميرزا عبد القادر باووي)، و(ميرزا شفيع). وتنتشر (الهورامانية أو الكورانية)، في مناطق (هورامان) الجبلية وهي مدن باوا مريوان في إيران، وحلبجة في العراق.
أما مزاراتهم، التي يشاركهم فيها العلويون أو العلي إللهيون هي: مزار سلطان إسحق في جبل هورامان، ومزار سيد إبراهيم بين مقبرة الشيخ عمر والباب الأوسط ببغداد، ودكان داوود؛ وصاحب المزار المذكور كان خليفة السلطان إسحق، ويقع بين سربيل وباي طاق، في كهفِ جبلٍ. ومزار زين عابدين في داقوق، أصل محله كنيسة. ومزار أحمد في كركوك، بمحلة المصلى، ومزار عمر مندان في كفري، وهو غير عمر مندان الواقع على طريق كركوك/ أربيل.
ومن أهم اعيادهم عيد يوم العطاء، وتعود مراسيم الأحتفال بهذا اليوم إلى أكثر من 600 عام. ويحتفل به بتوزيع اللبن على بعضهم كتعبير للمشاركة في توزيع الخير بينهم، معتبرين في الوقت نفسه أن اللبن رمزاً للنقاء والإخلاص لدى الكاكائية، وتتخلل الاحتفالية فعاليات ثقافية وفنية وتراثية، وتعتبر هذه المناسبة فرصة اجتماعية للتعارف بين أتباع الديانة والتصالح بين المتخاصمين.