حين تُسحق الصحافة… يبتسم الفاسدون

كرم نعمة

غلاف مجلة الإيكونومست العريقة لهذا الأسبوع لا يصرخ. يمدّ يدا. راحة كف مفتوحة. لا تحمل شيئا، لكنها تحجب كل شيء. إشارة شرطي أو كف سياسية فاسدة تقول: امضوا، لا تسألوا .

الغلاف وحده يكفي ليُفهم أن الأمر جلل. فالمجلة التي اعتادت أن تضع على غلافها خرائط اقتصادية، أو وجوه زعماء، أو رموزًا لسوق المال، قررت هذه المرة أن تضع يدًا تحجب، لا عينًا ترى. خلفية سوداء، يد قريبة من عين القارئ حدّ الوقاحة. لكن الحقيقة أن كل شيء هنا يستحق التوقف: الصورة، والعبارة، والاعتراف الضمني بأن العالم يدخل زمنًا جديدًا، يصبح فيه حجب الحقيقة ممارسة يومية لا استثناءً .

المجلة البريطانية لا تناقش أخطاء الصحافة ولا تدافع عن ملائكية الصحافيين. تفعل ما هو أخطر، تربط بين قمع الإعلام وتضخم الفساد. كلما صمتت الصحافة كبرت الغنائم، وكلما كبرت الغنائم زادت الحاجة إلى إسكات من يسأل .

لا تصف المجلة مشهدًا عابرًا في عالم الأخبار، بل تعلن إفلاسًا أخلاقيًا لعصرٍ كان يتباهى طويلًا بأنه عصر الشفافية. اليد هنا ليست تفصيلًا بصريًا، بل جملة سياسية كاملة. هذه هي اللحظة التي تتحوّل فيها الصحافة من نافذة إلى جدار ومن عين إلى كفٍّ مرفوعة تمنع النظر .

سحق الصحافة ليس “خصوصية ثقافية”، بل جزء من مسار كوني يربط بين العمى والفساد .

تقرير الإيكونومست الذي يقف خلف هذا الغلاف لا يتحدّث عن نزوة عابرة في علاقة السلطة بالصحافة، بل عن مسار طويل من التدهور. منذ عام 2014، كما يذكّرنا التقرير، تتراجع حرية الصحافة عالميًا وسحقت المستقلة منها، من مستوى كان يُشبه ما تبقى من صحافة حرة، إلى مستوى يقترب من النموذج العربي حيث تُسحق الصحافة قبل أن تُولد. هذا الانزلاق ليس مجرّد مؤشر حقوقي، بل هو، كما تكشف بيانات معهد V-Dem المعني بدراسة الديمقراطية، بوابة واسعة لتمدد الفساد. كلما خُنقت الصحافة تمدّد النهب وكلما تراكمت الأسرار القذرة في خزائن السياسيين، اشتدّت شهيتهم لخنق أي صوت قد يفضحها .

المعادلة التي يقدّمها التقرير قاسية وبسيطة في آن واحد. إذا انتقلت حرية الصحافة من مستوى “جيدة ككندا” إلى “سيئة كإندونيسيا”، فإن الفساد ينتقل من “نظيف كأيرلندا” إلى “قذر كلاتفيا”. ويمكن لأي قارئ عربي أن يضع اسم بلده مكان تلك الأمثلة، ولن يختلّ المعنى .

هذه ليست استعارة صحفية، بل نتيجة حسابات تمتد على نحو 180 دولة. الصحافة هنا ليست ترفًا ديمقراطيّا، بل جهاز إنذار مبكر حين يُعطّل، لا يسمع المجتمع صوت الحريق إلا بعد أن تلتهمه النيران .

لكن ما يثير القلق أكثر في قراءة الإيكونومست هو أن القمع لم يعد حكرًا على الأنظمة التي تعلن استبدادها بلا خجل، بل أصبح أداة مفضّلة لدى “الديمقراطيات المعيبة” والحكومات الشعبوية التي تتزيّن بلباس الانتخابات، وتستخدم في الوقت نفسه أدوات الأنظمة الطائفية المغلقة. هذه الحكومات لا تحتاج إلى إغلاق الصحف أو حبس كل الصحافيين؛ يكفي أن تخلق بيئة إعلامية يسمع فيها الناخبون مديحًا متواصلاً للميليشيا والحزب الحاكم، ولا يصلهم من أصوات المعارضة إلا همس خافت، متقطع ومشوّه. وإذا أردنا مثالاً حيًّا لا يحتاج إلى بحث طويل.

كيف يُصنع هذا الهمس؟ بأدوات يعرفها القارئ العربي جيدًا. تعيين المطيعين على رأس هيئات التحرير والبث العام، توجيه إعلانات الدولة إلى الصحف الموالية، دفع رجال الأعمال المرتبطين بعقود الدولة للاستحواذ على المنابر المستقلة وإفراغها من مضمونها. وفي المقابل، تُحاصر المؤسسات التي تصرّ على الصحافة الاستقصائية بالدعاوى الكيدية والمقاطعة الإعلانية، حتى تتحوّل من منابر إلى مشاريع خاسرة تبحث عن الأوكسجين .

قد يعجبك ايضا