تمرد المراهق تحوّل طبيعي أم تغيّر مقلق

خيرية هنداوي

تمرد المراهقين بنات وصبية سلوك يؤرق الأسر؛ فيلحظة ما يشعر كثير من الآباء بأنهم فقدوا السيطرةعلى أبنائهم، الطفل الذي كان قريباً، حنوناً، كثيرالكلام، أصبح مراهقاً صامتاً أو عصبياً، يرفضالنصيحة، ينفجر غضباً لأسباب تافهة، أو ينسحبفجأة من العائلة من دون مقدمات.

بينما يؤكد أساتذة الطب النفسي أن تمرد المراهقعملية تبدأ في الدماغ، وهو سلوك طبيعي ناتج عنالرغبة في الاستقلال، تأكيد الهوية، وبسبب تغيراتهرمونية ونفسية، فتجدينه أيتها الأم: يرفض الأوامرومعها يختبر الحدود، ينفصل نفسياً عن جو الأسرة،ويتم العلاج من خلال التواصل المفتوح بين المراهق أوالمراهقة والأهل، الحزم بمرونة، الاحترام المتبادل،وتجنب الصدام المباشر.

للتعرف إلى معنى التمرد ومظاهره ودور الأم وسبلالعلاج التقينا والدكتورة سلوى حامد أستاذة طبنفس الطفل للشرح والتوضيح.

لماذا يتمرد المراهق، وما أسبابه؟

مراهق يرفض ويتمرد ليثبت هويته

تعبير عن الاستقلال: محاولة لإثبات النفس كشخصبالغ وليس كطفل.

رغبة في تأكيد الهوية: البحث عن الذات بعيداً عنأفكار وقيم الوالدين.

سلوك طبيعي: جزء من النمو والتطور النفسيلتشكيل شخصيته.

رفض الأوامر: التمرد على القواعد والقيود المفروضةمن سلطة الوالدين.

أسباب تمرد المراهق:

التغيرات الهرمونية والنفسية: تقلبات مزاجية وتغيراتجذرية في الجسم وتكوين الدماغ.

البحث عن الاستقلالية والسيطرة: رغبة في اتخاذالقرارات الشخصية.

ضغط الأقران: محاولة التماهي مع الأصدقاءللشعور بالقبول.

الرغبة في جذب الانتباه: سلوكيات سلبية ناتجة عنشعور بالإهمال أو الرغبة في لفت الأنظار.

فحص الحدود: اختبار مدى قبول الوالدينلسلوكياتهم.

مشاكل أساسية: مثل التنمر أو الضغوط الدراسيةأو مشاكل في المنزل.

من المسؤول عن التمرد؟

حيث يكشفها علم النفس العصبي اليوم وهي أنالمراهق لا يختار هذا السلوك عمداً، بل يمر بواحدةمن أخطر وأعقد المراحل في تكوين الدماغ البشري،مرحلة تعيد تشكيل شخصيته بالكامل. علمياً المراهقةليست مرحلة عمرية فقط، أو مجرد تغيرات هرمونيةأو نفسية، بل هي عملية إعادة هندسة عصبية كاملةللدماغ. وخلال هذه المرحلة يتغير شكل الدماغ، وتُعادبرمجة الدوائر العصبية، وتُزال بعض الوصلاتالعصبية وتُقوّى أخرى، الدماغ هنا يشبه موقع بناءمفتوح؛ أجزاء تُهدم وأخرى تُبنى، وكل ذلك يحدثبينما المراهق مُطالب بالتصرف كـشخص عاقل.

الجزء الأخطر:

الفص الجبهي غير مكتمل، وهو الجزء المسؤول عنضبط الانفعالات، التفكير المنطقي، اتخاذ القرار،توقع العواقب، وهذا الجزء لا يكتمل نموه إلا بعد سن24–25 عاماً، وفي المقابل، تكون مراكز المشاعر،ومراكز المتعة، ومراكز الاندفاع، في قمة نشاطها.

والنتيجة: مشاعر قوية + اندفاع عالٍ + تحكمضعيف، وهو ما يفسر الغضب المفاجئ، القراراتالمتهورة، والرفض الحاد للنصيحة.

لماذا يبدو المراهق وكأنه يكره أهله؟

كثير من الآباء يشعرون بالألم حين يصدّهم المراهق،فهو يرفض الحديث، وهي تتعامل ببرود أو عدوانية.

بينما التفسير النفسي مختلف تماماً؛ المراهق لايكره أهله، بل يحاول الانفصال النفسي عنهم.

يبحث عن هويته المستقلة؛ لأنه يخشى أن يظلطفلاًفي نظرهم، وأي تدخل أو نصيحة قد تُفسرداخلياً كـتهديد لاستقلاله.

ولماذا يعاند وهو مقتنع؟

ويعد هذا السلوك واحداً من أكثر السلوكيات المحيرة،ويتمثل في أن المراهق قد يعارض رأياً صحيحاً، ثميفعله لاحقاً وكأنه قراره.

السبب؛ دماغه لا يقبل الإملاء، لكنه يقبل التجربةالذاتية، يحتاج أن يشعر بأن القرار نابع منه، وهناتقع الأسر في خطأ شائع، فتتحول النصيحة إلىمعركة كرامة.

أخطاء تربوية شائعة تُفاقم الأزمة

مراهقة ترفض توجيهات الأم

التقليل من المشاعر: جمل مثل: “ده كلام فاضي،كبر دماغك،أنت مكبر الموضوع، ما يجعلالمراهق يشعر بأن مشاعره غير معترف بها.

المقارنة: مقارنة المراهق بإخوته، بأقاربه، بزملائه،تدمّر الثقة بالنفس، وتدفعه للعناد أو الانسحاب.

السيطرة بدل الاحتواء: المراقبة المبالغ فيها، تفتيشالهاتف، التجسس، المنع المستمر، وهذا يدفع المراهقلحياة سرية أخطر.

المراهق والدماغ الاجتماعي: خلال هذه المرحلةيصبح رأي الأصدقاء أهم من رأي الأسرة، يشعربأن الانتماء للجماعة مسألة حياة أو موت، لهذا قديغامر، يقلد سلوكيات خاطئة، ويخالف قناعاته ليسضعفاً، بل حاجة عصبية للانتماء.

أهمية دور الأسرة

التواصل المفتوح والإنصات: فتح حوار هادئوالاستماع لمخاوفه دون مقاطعة أو إطلاق أحكام.

الحفاظ على الهدوء: عدم الانفعال الزائد والتحليبالصبر عند حدوث التمرد.

وضع قوانين واضحة: تحديد قواعد ثابتة ومفهومة معتطبيق عواقب منطقية للسلوكيات السلبية.

التعزيز الإيجابي: مكافحة السلوكيات الجيدةوتشجيعها، بدلاً من التركيز فقط على السلبيات.

منح الاستقلالية والخصوصية: السماح للمراهقباتخاذ خياراته الخاصة ضمن حدود آمنة.

الحزم لا القسوة: التعامل بحزم ولكن بلطف، وتجنبالقسوة المفرطة أو اللوم.

المصاحبة: بناء علاقة صداقة وثقة مع المراهق ليكونالأهل هم المرجع الأول.

من المهم التفريق بين التمرد الطبيعي وبينالسلوكيات الخطيرة التي قد تتطلب تدخلاًمتخصصاً.

استشارة الطبيب أولاً للتأكد من عدم وجود مشكلاتنفسية أو مرضية أخرى، قبل أن يُفترض أن الطفليعاني من اضطراب التمرد.

التفاوض مع الأطفال، ومناقشتهم فيما يريدونه،وسماعهم وفهمهم، إلى جانب منحهم بعضاً منالحريّة.

طرح بعض الأسئلة، مثل: “ماذا حدث؟ أين الخطأ؟كيف يُمكن أن أساعدك؟ما يُحفز الطفل علىالتعبيرِ عن احتياجاتِه.

الحرص على توجيه المدح والثناء عند القيام بتصرّفجيد؛ حتى يشعر بالأمان والاتّزان، وعند قيامه بأمرسيء يجب على والديه تنبيهه.

يُنصح الأهل بالاستماع لآراء أبنائهم المراهقين وفهمما يريدون، ومحاولة نقاشهم والتعاون معهم، وتقديمالتعاطف والمودّة والحبّ لهم.

يحتاج الطفل لكلمات تزرع الثقة في نفسه، دونمحاولة إجباره؛ فالمراهق يحبّ أن تحظى آراؤهوخياراته بالاهتمام.

على الآباء تشتيت انتباه الابن المراهق؛ حالة رؤيتهيتجه نحو سلوك غير مرغوب فيه؛ عن طريق سؤاله.

نصح الابن المراهق بتقسيم أي مهمة إلى أجزاءصغيرة حتى يتمكن من إتمامها، إذا لاحظ عدمقُدرته على إتمام المهام والواجبات.

التعامل مع المراهق المتمرد، والمبادرة لمشاركته فيالعمل المطلوب منه، سيدفعه للقيام بما عليه فعله دونشعوره بأنّه يُنفّذ الأوامر.

وجود روتين في حياة الطفل يحسن من سلوكه وأدائهالدراسي؛ إذ يصبح بإمكانه توقّع مجرى الأموروالأحداث في يومه دون اضطراب.

اللّجوء إلى الحزم أحياناً واتباع أسلوب التحذير؛حالة قيام المراهق بتصرّفات خاطئة وإنذاره للتوقّفوإلا العقاب، فكن حاضراً لا مسيطراً، اختر معاركك. وضع حدوداً واضحة.

متى يكون السلوك إنذاراً حقيقياً؟

انتبه إذا لاحظت: انعزالاً شديداً، تغيّراً حاداً فيالنوم، عدوانية غير معتادة، فقدان الشغف، إيذاءالنفس، هذه علامات تستدعي تدخلاً مهنياً فورياً.

دور الأم مختلف ودور الأب مختلف؛ الأم: مصدرالأمان العاطفي، الأب: نموذج القوة والحدود، وغيابأحد الدورين أو اختلاله: يزيد ارتباك المراهق.

العلاج النفسي للمراهق ضرورة، واللجوء لمختصنفسي ليس فشلاً تربوياً، بل وعي مبكر، ووقاية منمشكلات أكبر، الدعم النفسي في هذه المرحلة قديغيّر مسار حياة كاملة.

قد يعجبك ايضا