د.ابراهيم احمد سمو
تارةً لا تكفي المشاهدة وحدها، ولا يسع القلم أن يكتفي بدور الراصد الصامت، فبعض اللحظات التاريخية تفرض علينا أن نحول المشهد إلى فكرة، وأن نجعل من المتابعة موقفًا، ومن الانطباع رأيًا يُكتب بصدق ومسؤولية. وما يجري اليوم خلف الكواليس لم يعد خافيًا على أحد؛ بل إن الكواليس نفسها باتت جزءًا من العلن، تُنقل تفاصيلها وتُحلَّل دلالاتها لحظة بلحظة، في ظل حراك سياسي غير مسبوق تشهده المنطقة.
في اليوم الثاني من هذا الزخم السياسي، بدا واضحًا أن حجم اللقاءات ونوعيتها يتجاوزان البروتوكول المعتاد. لقاءات مع شخصيات إقليمية ودولية من أهل الشأن وصنّاع القرار، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي، ومسؤولين سوريين، ورئيس وزراء قطر، وممثلي الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى وزراء الدفاع في إيطاليا وألمانيا وهولندا، والأمين العام لـ جامعة الدول العربية، ورئيس وزراء لبنان، فضلًا عن وزير الخارجية الأمريكي الذي كانت لتصريحاته الأخيرة أصداء واسعة، إذ أعادت طرح ملفات ظنّ البعض أنها من ثوابت خرائط المنطقة منذ أكثر من قرن، لا سيما في الشرق الأوسط.
إن هذا الكمّ الهائل من اللقاءات، وهذه النوعية الرفيعة من الشخصيات، تجعل من الصعب اختزال الحدث في عنوان عابر أو تصريح مقتضب. فحين تجتمع الإرادات المؤثرة في صناعة القرار الإقليمي والدولي حول طاولة واحدة، فإننا لا نكون أمام مجاملات دبلوماسية، بل أمام محطات مفصلية تُسهم في رسم ملامح مرحلة جديدة. وما يلفت النظر أن هذه اللقاءات لم تكن للتصوير أو الاستعراض الإعلامي، ولم تُعقد لمجرد الظهور في نشرات الأخبار أو منصات التواصل الاجتماعي، بل عكست جدية واضحة، ورسائل سياسية مدروسة، وحراكًا يشي بوجود رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة.
في قلب هذا المشهد، برز حضور رئيس إقليم كوردستان ،نێچرڤان بارزاني، بوصفه محورًا لهذا الحراك الدبلوماسي المكثف. ما شدّ الانتباه في مختلف اللقاءات ليس فقط عددها أو مستوى المشاركين فيها، بل الطريقة التي أدار بها النقاشات، وحضوره الواثق، وحيويته التي لم تفتر رغم ضغط البرنامج وكثافة الاجتماعات. لم يكن بحاجة إلى مترجم في كثير من المواقف، وهو ما أضفى على الحوار مباشرة ومرونة، وعكس قدرة على التواصل السلس، وفهمًا عميقًا للغة السياسة ومفرداتها.
حركاته المدروسة، ونبرته الهادئة، ولغة الجسد التي تعكس ثقةً واتزانًا، كلها عناصر أسهمت في رسم صورة دبلوماسية عالية المستوى. القبول الذي حظي به من مختلف الأطراف لم يكن وليد مجاملة، بل نتاج مسار طويل من العمل السياسي المتوازن، القائم على الصراحة والوضوح. وفي زمن باتت فيه السياسة مرادفًا للغموض والمناورة، بدا واضحًا أن الصدق في الطرح والثبات في الموقف يشكّلان ركيزة أساسية في شخصيته.
من اللافت أيضًا أن الإرهاق لم يكن ظاهرًا عليه، رغم أن جدول أعماله كان كفيلًا بإرهاق فريق كامل. تعبت أعيننا ونحن نتابع، وتعبت أيدينا ونحن نكتب، بينما ظل الرجل حاضر الذهن، متماسك الخطاب، متقد الخطى. هذه الحيوية ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على إيمان عميق بالدور والمسؤولية، وعلى إدراك لحساسية المرحلة ودقتها.
إن الزيارات المتبادلة، سواء التي قام بها أو التي استقبل فيها نظراءه، لم تكن محطات بروتوكولية، بل جسور تواصل تؤسس لشراكات أوسع، وتفتح آفاقًا جديدة للتفاهم. وفي محصلة هذا الحراك، يمكن القول إن اسم البلاد قد ارتفع عاليًا في المحافل الدولية، وإن الدور الذي يؤديه رئيس الإقليم في تقريب وجهات النظر بين أربيل وبغداد بات أكثر وضوحًا وتأثيرًا.
فملف العلاقة بين أربيل وبغداد، بما يحمله من تعقيدات سياسية واقتصادية ودستورية، يحتاج إلى شخصية تجمع بين الحزم والمرونة، وبين القدرة على الدفاع عن الحقوق، والاستعداد لمدّ اليد للحوار. ومن خلال اللقاءات الأخيرة، بدا أن هناك مسعى جادًا لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع أسس أكثر استقرارًا للعلاقة بين الجانبين، بعيدًا عن التوترات الظرفية والحسابات الضيقة.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن الحضور الفاعل في هذا العدد من الاجتماعات يعكس إدراكًا لأهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الإقليم في معادلات المنطقة. فالتغيرات الجارية، والتحولات في موازين القوى، وإعادة رسم خرائط النفوذ، كلها عوامل تفرض على القيادات السياسية أن تكون في قلب الحدث، لا على هامشه. ومن هنا، فإن الدبلوماسية المكوكية التي شهدناها ليست مجرد نشاط مكثف، بل تعبير عن رؤية تسعى إلى تثبيت موقع فاعل ومؤثر في المشهد المقبل.
ما يميز هذا الحراك أيضًا هو غياب الالتفاف أو الغموض في الخطاب. فالثبات في القامة والمقام، والوضوح في الطرح، يرسلان رسالة طمأنة للداخل قبل الخارج. المواطن الذي يتابع هذه اللقاءات يبحث عن مؤشرات للاستقرار، وعن إشارات تؤكد أن بلاده جزء من المعادلة، لا ساحة لتصفية الحسابات. ومن خلال هذا الأداء، تتعزز الثقة بإمكانية تجاوز الأزمات، والانتقال من إدارة الخلاف إلى صناعة التفاهم.
لقد شهدنا بالأمس ونتابع اليوم وسنرى غدًا كيف تُكتب البصمات في لحظات التحول. بعض الأدوار لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بقدرتها على التأثير في مسار الأحداث. وإذا كانت المنطقة مقبلة على تغييرات كبرى، فإن الحضور المبكر والفاعل في صياغة ملامحها يمنح صاحبه موقعًا متقدمًا في المشهد.
في الخلاصة، يمكن القول إن ما جرى ليس عابرًا، ولا مجرد نشاط دبلوماسي مكثف في جدول مزدحم، بل هو تعبير عن مرحلة جديدة تتشكل، وعن دور يُعاد تعريفه في ضوء متغيرات متسارعة. وبين كثافة اللقاءات وعمق الرسائل، تبرز مكوكية الدبلوماسية وكاريزما الحضور كعنوانين لمرحلة يُراد لها أن تحمل الخير والاستقرار، وأن تضع البلاد في موقع يليق بتاريخها وتطلعات شعبها