بلد الخيرات والنفط والمعادن العراق أمام أزمة مالية واقتصادية “قاتلة”

نهاد الحديثي

العراق يمر حالياً بأزمة مالية واقتصادية “قاتلة” بدأت تلوح تداعياتها بشكل ملموس على معيشة المواطنين ومستوى الخدمات الأساسية المقدمة. نفقات الدولة بالوضع الحالي لا يمكن تغطيتها ما لم يُعالج ملف الرواتب معالجة جذرية وحقيقية، وليس عبر حلول ترقيعية ,, جميع الإيرادات غير النفطية، مهما تضخمت، لن تكون بديلًا عن النفط، ولن تغطي أكثر من 10–15% من احتياجات الدولة التشغيلية حسب رأي خبراء الااقتصاد,, فلا يوجد اليوم أي مورد قادر على تعويض النفط”، فكل ما يُتداول عن الكبريت، الفوسفات، السليكا وغيرها، حتى لو بيعت كمواد خام، لن تتجاوز إيراداتها 300 إلى 500 مليون دولار سنويًا
الأزمة الحالية ليست مفاجئة، بل هي تراكمات سنوات من السياسات المالية غير المستدامة، وانخفاض الإيرادات النفطية، وارتفاع الإنفاق العام غير المنضبط، إضافة إلى تباطؤ الإصلاحات الهيكلية في قطاعات الطاقة والضرائب والدعم الحكومي
ويرى خبراإء ان استمرار الدولة العراقية بالاعتماد على النفط كمصدر وحيد للموازنة العامة، يجعل العراق في خطر من الأزمات العالمية التي تحدث بين الحين والآخر لتأثر النفط بها، مما يجعل البلاد تتجه في كل مرة لتغطية العجز عبر الاستدانة من الخارج أو الداخل وهو بذلك يشير إلى عدم القدرة على إدارة أموال الدولة بشكل فعال
، العجز عن إيجاد حلول تمويلية بديلة و الواقع الاقتصادي الراهن يتطلب حلولاً جذرية وإجراءات إصلاحية حقيقية تتجاوز مجرد الوعود، محذراً من أن استمرار السياسة المالية الحالية قد يؤدي إلى نتائج وخيمة قد تخرج عن السيطرة وتؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي ,,فالحكومة والبرلمان أمام مسؤولية تاريخية للتحرك السريع ووضع خارطة طريق لمعالجة الاختلالات الاقتصادية ,حيث يؤكد الخبراء ان سياسة التسويف في إجراء الإصلاحات ستضاعف من حجم المعاناة الشعبية وتعمق الفجوة المالية.المواطنين يعانون حالياً من تذبذب أسعار المواد الأساسية، فضلاً عن تلكؤ في تنفيذ المشاريع الخدمية الاستراتيجية، ما يزيد الضغط على الأسر العراقية ويضعف الثقة بالقدرة على معالجة الأزمة ,أي تأخير إضافي في تطبيق الإصلاحات سيضاعف العجز المالي، ويرفع احتمالات عجز الدولة عن تمويل المشاريع الخدمية والرواتب، وهو ما سينعكس مباشرة على المواطنين والفئات الضعيفة, كما تواجه الحكومة تحديات كبيرة في تنمية الإيرادات غير النفطية وتحسين إدارة الموارد المالية، وسط مطالب برفع كفاءة الإنفاق العام وتوجيه الدعم للفئات الأكثر حاجة، وتحديث آليات تحصيل الضرائب والجمارك بما يضمن دخول موارد إضافية للخزينة. ويؤكد خبراء أن أي خطة إصلاح اقتصادي ناجحة تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وتنفيذاً سريعاً لتوصيات المؤسسات المالية المحلية والدولية، إلى جانب شفافية كاملة في إدارة المشاريع الاستثمارية الكبرى.
ويجمع خبراء الاقتصاد , على أن العراق يحتاج إلى استراتيجية إصلاح شاملة تتضمن سياسات نقدية ومالية متوازنة، مع إدارة رشيدة للموارد النفطية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار، بما يضمن معالجة الاختلالات المالية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي قادر على تجاوز الأزمة الحالية.
في وقت يواجه فيه العراق تحديات سياسية واقتصادية متشابكة، تتصاعد المؤشرات المقلقة على هشاشة الوضع المالي، وسط ضغوط أميركية متواصلة، وتقلبات حادة في أسعار النفط، وأزمة سيولة داخلية بدأت تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين والأسواق المحلية. هذه العوامل مجتمعة تضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب، وتثير تساؤلات جدية بشأن قدرة الحكومة على احتواء التداعيات والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في المرحلة المقبلة
العراق يتعرض لضغوط متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذه الضغوط تُستخدم لتحقيق مكاسب مرتبطة بملفات إقليمية حساسة، أبرزها القضية الفلسطينية، والملف الإيراني، وصراعات النفوذ في المنطقة, العراق ما يزال عاجزاً عن رسم مسارات واضحة للتعامل مع هذه الضغوط بالشكل الذي يحمي اقتصاده
وتشير البيانات الاقتصادية الرسمية إلى أن الدين العام الداخلي ارتفع إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين، فيما ظل عجز الموازنة يتفاقم بسبب انخفاض أسعار النفط والتحديات في تحصيل الإيرادات غير النفطية. وقد أدت هذه العوامل إلى ضغط متزايد على سعر صرف الدينار العراقي أمام العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية، ما أثر على القدرة الشرائية للأسر العراقية.وفي ظل هذه المؤشرات، يحذر نواب وبرلمانيون من أن استمرار سياسة التسويف والاعتماد على الموارد النفطية دون إصلاح هيكلي للاقتصاد سيقود البلاد إلى أزمة أعمق، قد تمتد تأثيراتها إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومن الضرورة أن تكون أولويات الحكومة واضحة، بدءاً من ضبط النفقات العامة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، إلى تنفيذ مشاريع البنى التحتية الحيوية بشكل عاجل، بما ينعكس على تحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والصحة. أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على المواطنين، بل تضغط على التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة، وتؤدي إلى تباطؤ الدورة النقدية، ما ينعكس سلباً على الإيرادات الضريبية والنشاط التجاري بشكل عام
الوضع الاقتصادي ألقى بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي. فإلى جانب التعقيدات السياسية، يواجه العراق أزمة اقتصادية خانقة، أبرزها تأخر دفع رواتب نحو ثمانية ملايين موظف ومتقاعد. هذه الأزمة المالية تضغط على القوى السياسية للإسراع في تشكيل حكومة قادرة على معالجة الوضع الاقتصادي المتردي, وحذّر تقرير دولي من مخاطر اقتصادية إضافية قد تواجه العراق في حال مضيّ القوى السياسية بترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة. وكشف تقرير لموقع «مجموعة الأزمات الدولية» أن العقوبات الاقتصادية الأميركية، بما في ذلك تقييد وصول العراق إلى الدولار، باتت خياراً مطروحاً لدى واشنطن.
وبحسب التقرير، فإن إدارة الولايات المتحدة تدرس خيارات ضغط قاسية على العراق، تشمل فرض عقوبات وتقييد الوصول إلى الدولار، إذا مضى الإطار التنسيقي قدماً في ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء. واعتبر أن الموقف الأميركي يعكس تحولاً لافتاً في طريقة تعاطي واشنطن مع أزمة تشكيل الحكومة العراقية، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثار هذا الأسبوع صدمة في المشهد السياسي العراقي عندما هاجم ترشيح المالكي.
وأشار التقرير إلى أن ترامب، وفي منشور على منصة «تروث سوشيال»، وصف فترة حكم المالكي السابقة بين عامي 2006 و2014 بأنها قادت العراق إلى الفوضى، محذراً من أن الولايات المتحدة لن تعود لتقديم المساعدة للعراق في حال توليه المنصب مجدداً. وبيّن أن العراق «لم يكن حتى الآن في صدارة أولويات إدارة ترامب»، إلا أن اعتبارات جيوسياسية أوسع، وفي مقدمتها السعي لكبح النفوذ الإيراني، دفعت واشنطن إلى التدخل المباشر في مسار تشكيل الحكومة العراقية.
داخلياً، أشار التقرير إلى أن ترشيح المالكي يثير جدلاً واسعاً، نظراً لإرثه السياسي المرتبط بتصاعد الفساد والاستقطاب الطائفي، وهي عوامل أسهمت، بحسب التقرير، في تعميق الانقسامات التي بلغت ذروتها مع تمدد تنظيم داعش. كما لفت إلى وجود عرف سياسي غير مكتوب يقضي بعدم تولي رئيس الوزراء أكثر من ولاية واحدة، وهو ما حال دون تجديد دعم الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، رغم فوز تحالفه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات تشرين الثاني الماضي.
وفي ظل هذه التطورات، حذّر التقرير من أن تجاهل التحذيرات الأميركية قد تكون كلفته باهظة، مشيراً إلى امتلاك الولايات المتحدة أدوات ضغط متعددة، من بينها فرض عقوبات بحجة مساعدة إيران على الالتفاف على القيود الأميركية، ومعاقبة أفراد في الحكومة، وتقييد وصول العراق إلى الدولار عبر التحكم بحسابات عائدات النفط المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إضافة إلى تقليص المساعدات العسكرية.
ويجمع مراقبون وخبراء على أن تلاقي الأزمة المالية الداخلية مع ضغوط سياسية واقتصادية خارجية يضع العراق أمام اختبار بالغ الصعوبة، يتطلب وضوحاً في الأولويات الاقتصادية، وتسريعاً للإصلاحات، وإدارة حذرة للعلاقات الخارجية، لتجنب تداعيات قد تمتد آثارها إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.

قد يعجبك ايضا