عرفان سعدالله الداوودي
منذ عام 2003، لم نرَ كثيراً من الأصوات العراقية ــ لا من الجنوب ولا من الغربية داخل قبة البرلمان العراقي ترتقي إلى مستوى الدفاع العلني الواضح عن حقوق الكورد في المحافل الدولية. كثرٌ اكتفوا بالصمت، وآخرون انشغلوا بحسابات السياسة الضيقة، وبعضهم لم يرَ في القضية الكوردية سوى مادة للجدل أو المزايدات. لكن في خضم هذا المشهد المربك، برز صوتٌ مختلف، صوتٌ عراقيٌّ صريح جاء من قلب الجنوب.

من الناصرية، مدينة العزّ والشموخ، خرجت عبير السهلاني لتقول كلمة حقٍّ في زمنٍ يحتاج إلى شجاعة الكلمة قبل شجاعة الميدان. لم تكن مجرد عضوة في البرلمان الأوروبي، بل كانت ضميراً عراقياً حمل همَّ وطنٍ كامل، شماله وجنوبه، عربه وكورده وسائر مكوّناته.
حين ارتدت الزيّ الكوردي تحت قبة البرلمان الأوروبي، لم يكن ذلك استعراضاً رمزياً عابراً، بل موقفاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً: العدالة لا تتجزأ، وحقوق الكورد ليست ملفاً هامشياً، بل قضية شعبٍ وأرضٍ وهوية. قالتها بوضوح إن للكورد أصدقاء في هذا البرلمان، وإن زمن المجازر التي كانت تُرتكب بصمت قد انتهى، وإن الصوت الحرّ سيصل إلى العالم.
الجنوب الذي أنجب عبير هو ذاته الجنوب الذي احتضن الكورد يوم ضاقت بهم الجبال، وفتح لهم بيوته قبل حدوده. وفي ذاكرة هذا الوطن صفحات مشرقة كتبها رجالٌ أمثال الشيخ محمود الحفيد، القائد الكوردي الذي وقف مع أبناء الجنوب في مواجهة الاحتلال، مؤمناً أن معركة التحرر واحدة، وأن العراق جسدٌ واحد لا يعيش بعضه دون بعضه الآخر.
اليوم، حين تدافع امرأة من الجنوب عن الكورد في البرلمان الأوروبي، فإنها لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل روح العراق الحقيقية؛ العراق الذي لا يُختزل في قومية، ولا يُقاس بحدود الجغرافيا، بل يُقاس بمواقفه في لحظات الاختبار.
دفاع الكورد عن حقوقهم ليس طلباً لمنّة، ولا سعياً لامتياز، بل هو دفاع مشروع عن هوية وانتماء وكرامة. وحين يأتي هذا الدعم من الناصرية إلى أربيل، ومن الجنوب إلى كوردستان ، فإن الرسالة تكون أبلغ: نحن شركاء في التاريخ كما نحن شركاء في الألم والأمل.
عبير السهلاني قدّمت نموذجاً نادراً في زمن الارتباك السياسي؛ نموذجاً للسياسي الذي لا يخشى قول الحقيقة، ولا يتردد في الانحياز للعدل. وفي وقتٍ التزم فيه كثيرون الصمت، كان صوتها يعلو تحت قبة البرلمان الأوروبي ليؤكد أن للكورد أصدقاء أحراراً في العراق والعالم.
هكذا تُصنع المواقف… وهكذا يُكتب للتاريخ أن الجنوب لم يتخلَّ عن كوردستان، وأن العراق، حين يتكلم بصدق، يتكلم بصوتٍ واحد.