د. فكري عزيز حمد السورجي
تُعد الممتلكات الثقافية من أهم مكونات هوية الشعوب وذاكرتها التاريخية، إذ تمثل الآثار والمواقع التاريخية والمتاحف والمخطوطات والقطع الفنية والشواهد العمرانية رموزاً حضارية تعكس مسيرة الأمم عبر العصور. وفي أوقات السلم تزدهر هذه الممتلكات وتؤدي دورها في تعزيز الانتماء الوطني والحوار الحضاري، إلا أنها في أوقات النزاعات المسلحة تصبح عرضة للتدمير أو النهب أو الاتجار غير المشروع، مما يشكل تهديداً خطيراً للتراث الإنساني المشترك.
لقد شهد التاريخ الحديث والمعاصر العديد من النزاعات التي طالت فيها يد الدمار مواقع أثرية ومعالم حضارية عريقة، سواء نتيجة القصف المباشر أو العمليات العسكرية أو بدافع الانتقام الثقافي أو الأيديولوجي. ويترتب على ذلك فقدان عناصر لا يمكن تعويضها من التراث الإنساني، إذ إن تدمير موقع أثري أو حرق مكتبة تاريخية يعني ضياع ذاكرة أمة كاملة، وهو ما ينعكس سلباً على الأجيال الحاضرة والمستقبلية.
انطلاقاً من هذه الخطورة، سعى المجتمع الدولي إلى إرساء قواعد قانونية لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، فجاءت اتفاقيات دولية وبروتوكولات ملحقة تؤكد ضرورة احترام التراث الثقافي وعدم استهدافه أو استخدامه لأغراض عسكرية. كما أُدرجت حماية الممتلكات الثقافية ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم سلوك أطراف النزاع وتفرض قيوداً على استخدام القوة.
ويُقصد بالممتلكات الثقافية كل ما له أهمية كبرى لتراث الشعوب الثقافي، سواء كان منقولاً أو غير منقول، مثل المباني المعمارية ذات الطابع التاريخي، والمواقع الأثرية، والأعمال الفنية، والمخطوطات، والمكتبات، والمتاحف، ودور العبادة ذات القيمة التاريخية. وتشمل الحماية كذلك المراكز التي تحتوي على عدد كبير من هذه الممتلكات، والتي تُعرف بالمراكز الأثرية أو الثقافية.
تتجسد الحماية القانونية في عدة مبادئ أساسية، أبرزها مبدأ التمييز الذي يفرض على أطراف النزاع التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ومن بينها الممتلكات الثقافية. كما يبرز مبدأ التناسب الذي يمنع شن هجوم إذا كان من المتوقع أن يسبب أضراراً مفرطة بالممتلكات الثقافية مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة. ويضاف إلى ذلك مبدأ الضرورة العسكرية الذي لا يجوز التذرع به إلا في أضيق الحدود وبشروط صارمة.
وقد عززت الاتفاقيات الدولية هذا الإطار من خلال وضع نظام للحماية العامة والخاصة والمعززة لبعض المواقع ذات القيمة الاستثنائية. فالحماية العامة تفرض على الدول احترام الممتلكات الثقافية وعدم استخدامها في دعم العمليات العسكرية. أما الحماية الخاصة فتُمنح للممتلكات ذات الأهمية الكبرى، شريطة تسجيلها في قوائم خاصة وعدم استخدامها لأغراض عسكرية. أما الحماية المعززة فتتطلب معايير دقيقة وتخضع لإجراءات محددة لضمان عدم المساس بالموقع المحمي.
ومن الناحية العملية، تواجه حماية الممتلكات الثقافية تحديات جسيمة في ظل النزاعات المعاصرة التي تتسم بتعقيد الأطراف وتعدد الفاعلين من غير الدول. فكثيراً ما تتعرض المواقع الأثرية للنهب المنظم والاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية لتمويل العمليات المسلحة. كما أن استخدام بعض المواقع التاريخية كمقار عسكرية أو مخازن للأسلحة يعرضها لخطر الاستهداف المشروع من قبل الطرف الآخر.
وتلعب المنظمات الدولية والإقليمية دوراً محورياً في تعزيز الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي، من خلال إصدار القوائم الإرشادية، وتقديم الدعم الفني للدول، وتدريب الكوادر المتخصصة في توثيق الأضرار وترميم المواقع المتضررة. كما تسهم المحاكم الدولية في مساءلة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الممتلكات الثقافية، باعتبار تدميرها المتعمد جريمة حرب في بعض الحالات.
وعلى الصعيد الوطني، ينبغي على الدول إدماج قواعد حماية الممتلكات الثقافية في تشريعاتها الداخلية، ووضع خطط طوارئ لحماية المتاحف والمواقع الأثرية أثناء النزاعات، بما في ذلك نقل القطع الثمينة إلى أماكن آمنة، وتوثيقها رقمياً، وتدريب القوات المسلحة على احترام التراث الثقافي. كما يُستحسن إدراج مواد تعليمية في المناهج العسكرية لتعزيز الثقافة القانونية لدى الضباط والجنود.
ولا تقتصر أهمية حماية الممتلكات الثقافية على البعد القانوني فحسب، بل تمتد إلى البعد الإنساني والأخلاقي، إذ إن الحفاظ على التراث يُسهم في إعادة بناء المجتمعات بعد النزاع، ويعزز المصالحة الوطنية من خلال استعادة الرموز المشتركة التي توحد أفراد المجتمع. كما أن إعادة إعمار المواقع المتضررة تمثل رسالة أمل وإصرار على صون الهوية الثقافية.
إن التطور التكنولوجي يوفر أدوات حديثة لحماية التراث، مثل استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة المواقع الأثرية، وإنشاء قواعد بيانات رقمية لحصر الممتلكات الثقافية، وتوظيف تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد لإعادة بناء المواقع المدمرة. ومع ذلك، تبقى الإرادة السياسية والتعاون الدولي الفعال عاملين حاسمين في ضمان حماية فعالة للممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وعليه، فإن حماية الممتلكات الثقافية ليست مسألة هامشية في سياق النزاعات، بل هي التزام قانوني وأخلاقي يعكس احترام المجتمع الدولي للتنوع الثقافي ولإرث الإنسانية جمعاء. ويتطلب هذا الالتزام تكاتف الجهود بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، إلى جانب تعزيز المساءلة وعدم الإفلات من العقاب لكل من يتعمد تدمير التراث الثقافي أو الاتجار به بصورة غير مشروعة.