د.ابراهيم احمد سمو
يأتي حضور نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، في مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام ضمن سياقٍ بات مألوفًا من حيث الانتظام، لكنه مختلفٌ من حيث الوزن السياسي والنتائج المتوقعة. فالمؤتمر، الذي يشارك فيه نحو خمسين شخصية عالمية من رؤساء دول وحكومات ووزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، لم يعد مجرد منصة خطابات، بل فضاءً حقيقيًا لصناعة التفاهمات وبناء الجسور بين القوى الدولية والإقليمية.
لقد اعتاد المتابعون على مشاركة رئيس الإقليم في هذا المحفل العالمي، غير أن ما يميّز هذه المشاركة هو طبيعة البرنامج وكثافة اللقاءات المعلنة وغير المعلنة، فضلًا عن نوعية الحضور المؤثّر. فنيجيرفان بارزاني لم يعد ضيفًا بروتوكوليًا، بل بات فاعلًا سياسيًا يُعتمد رأيه ويُستشار في قضايا دقيقة، بفضل خبرته المتراكمة ونهجه القائم على الدبلوماسية الهادئة والحوار المتوازن.
منذ لحظة الافتتاح، برزت أهمية اللقاءات الثنائية لرئيس الإقليم، و من أبرزها اليوم بأذن الله مع ممثلي دول محورية في المنطقة، وفي مقدمتها لبنان، بما يحمله من رمزية ثقافية وحضارية ودور تاريخي في التمدّن والتلاقي. هذه اللقاءات ليست تفاصيل عابرة، بل لبنات أساسية في مسار سياسي يسعى إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي، وهو ما ينسجم مع رؤية الإقليم القائمة على الانفتاح وبناء الشراكات.
ورغم أن جانبًا كبيرًا من دور رئيس الإقليم يُمارَس بعيدًا عن أضواء الإعلام، فإن ذلك لا يقلّل من أثره، بل يضاعف من قيمته. فالمتابعون لمسيرته يدركون أن العمل خلف الكواليس كثيرًا ما يكون أكثر تأثيرًا من الظهور الإعلامي، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقريب وجهات النظر، واحتواء الأزمات، والدفع نحو حلول وسط تحقن الدماء وتفتح آفاق التفاهم.
إن الحفاوة التي حظي بها نيجيرفان بارزاني في ميونخ، وما نقله مراسلو القنوات من تفاصيل عن جدول أعماله المزدحم، يعكسان حجم الاهتمام الدولي بدوره. فمشاركته لا تقتصر على الحضور الشكلي، بل تتعداه إلى الإسهام الفعلي في مناقشات الأمن الإقليمي، والدفاع عن الحريات، وتبنّي خطاب الحوار مع الشركاء وحتى مع المختلفين، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستقرار لا يتحقق إلا بالتفاهم والاعتراف المتبادل.
وتتجلى أهمية هذه المشاركة أيضًا في بعدها الكوردي. فرئيس الإقليم يمثل صوت الشعب الكوردي في واحدة من أهم المنصات الدولية، حاملاً هموم قضيته العادلة، وساعيًا إلى كسب المزيد من الدعم والتفهم الدولي. فالقضية الكوردية، بكل تشعباتها، تحتاج إلى خطاب عقلاني يوازن بين الحقوق المشروعة ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، وهو ما يحرص عليه نيجيرفان بارزاني في كل تحركاته.
ولا يمكن إغفال ما يجري خلف الأبواب المغلقة من تحركات دبلوماسية تهدف إلى توفيق الآراء المختلفة، سواء بين الدول الغربية نفسها أو بينها وبين قوى إقليمية فاعلة. فقد أثبت رئيس الإقليم، في أكثر من محطة، قدرته على لعب دور الوسيط الموثوق، مستفيدًا من علاقاته المتوازنة مع العواصم الأوروبية والولايات المتحدة، وكذلك من احترامه لخصوصيات شعوب المنطقة.
وفي هذا السياق، تأتي الإشارات إلى الجهود السابقة في تقريب وجهات النظر، وتعزيز التضامن الأوروبي، وعودة الزخم في الموقف الأمريكي، فضلًا عن التنسيق مع فرنسا ودورها في دعم الاستقرار. هذه الجهود، التي قد لا تظهر تفاصيلها كاملة للإعلام، أسهمت في تهدئة التوترات وخلق مناخ يساعد على تثبيت الأمن، بما في ذلك ما يتعلق باستقرار مناطق كوردية حساسة.
إن المتابعة الدقيقة لمجريات مؤتمر ميونخ خلال أيامه الثلاثة تؤكد أن النتائج لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بما يُنجز على مستوى التفاهمات والالتزامات. ومن هنا، فإن التوقعات عالية بأن تسفر مشاركة نيجيرفان بارزاني عن مكاسب سياسية تُضاف إلى رصيد الإقليم، وتدفع بالقضية الكوردية خطواتٍ مهمة إلى الأمام.
ولعل ما يدفعنا إلى الكتابة في هذا الشأن، نحن المتابعين، هو الإحساس بالمسؤولية تجاه نقل صورةٍ صادقة عن هذا الدور، بلغةٍ يفهمها العمق العربي والدولي على حد سواء. فليس الهدف مجرد تغطية خبر، بل الإضاءة على تجربة سياسية أثبتت أن الحكمة، والصبر، والعمل الدؤوب يمكن أن يصنعوا فارقًا حقيقيًا في عالمٍ مضطرب.
ختامًا، يمكن القول إن حضور رئيس إقليم كوردستان في مؤتمر ميونخ للأمن لم يعد حدثًا عابرًا، بل محطةً أساسية تؤكد مكانة الإقليم ودوره المتنامي. ومع استمرار اللقاءات والمشاورات، تبقى الآمال معلّقة على ما ستثمره هذه المشاركة من نتائج تخدم شعب كوردستان، وتعزز الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها