السياسة بين الخطاب الإنساني وممارسات الخداع

سحر صلاح الخزاعي

عندما يتحول القانون إلى غطاء
تُقدَّم السياسة في خطابها الرسمي بوصفها فن إدارة المصالح العامة وتحقيق العدالة وصون الكرامة الإنسانية. غير أن التجربة التاريخية، في العديد من الدول والمراحل، تكشف عن مفارقة عميقة بين الخطاب والممارسة؛ إذ كثيرًا ما تُستخدم مفاهيم مثل “القانون الإنساني”، و”حماية المدنيين”، و”المصلحة الوطنية” كأطر خطابية تمنح الشرعية، في حين تُرتكب في الخفاء ممارسات تناقض جوهر تلك المبادئ.
إن القانون الإنساني الدولي وُضع أساسًا لحماية الإنسان في أوقات النزاعات، والحدّ من الانتهاكات، وضمان معاملة عادلة للمدنيين والأسرى. إلا أن الإشكالية لا تكمن في النصوص القانونية ذاتها، بل في توظيفها الانتقائي. فبعض الأنظمة أو القوى السياسية قد تُبرز التزامها العلني بالقانون، بينما تُدار في الكواليس سياسات قمع أو تهميش أو تصفية حسابات تحت مبررات أمنية أو قانونية.
هذا التناقض بين المعلن والمخفي يُعد أحد أبرز أشكال الخداع السياسي. إذ يجري تغليف القرارات المثيرة للجدل بلغة قانونية منمّقة، تُفرغ المفاهيم الإنسانية من مضمونها الحقيقي، وتحوّلها إلى أدوات تبرير بدلًا من كونها معايير محاسبة. وهنا يفقد القانون روحه، ويتحوّل من وسيلة لحماية الإنسان إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على انتهاك حقوقه.
لقد أظهرت تجارب متعددة في المنطقة أن بعض الأحداث التي رُوِّج لها في إطار “حفظ النظام” أو “تنفيذ القانون” انتهت إلى نتائج مأساوية، وأثارت جدلًا واسعًا بشأن مدى احترام المعايير الإنسانية. ومن بين الأمثلة التي يُشار إليها في هذا السياق ما يُعرف بأحداث جزيرة ابسنين، والتي ارتبطت في الوعي العام باتهامات بوقوع انتهاكات جسيمة في ظل غياب الشفافية الكاملة والمساءلة الواضحة. ومهما اختلفت الروايات حول تفاصيل تلك الوقائع، فإن الثابت أن غياب التحقيق المستقل والمكاشفة العلنية يفتح الباب أمام الشكوك ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع.
تكمن خطورة الخداع السياسي في أنه لا يقتصر على حدث بعينه، بل يؤسس لثقافة عامة تُضعف الإيمان بالمؤسسات. فعندما يشعر المواطن بأن الشعارات الإنسانية تُستخدم كغطاء، تتراجع الثقة بالقانون ذاته، ويتحول الخطاب الرسمي إلى مجرد أداة دعائية. وهذا بدوره يُنتج حالة من الاغتراب السياسي، ويُضعف المشاركة المجتمعية، ويزيد من حدة الاستقطاب.
كما أن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون تُفاقم الأزمات. فإذا طُبّق القانون بصرامة على فئة، وتُساهِل مع أخرى، أو استُخدم بصورة انتقائية لتحقيق مكاسب سياسية، فإن ذلك يقوّض مبدأ المساواة أمام القانون، وهو أحد أعمدة الدولة الحديثة. فالعدالة لا تتحقق بمجرد وجود نصوص، بل بسلامة التطبيق وحياد المؤسسات.
إن مواجهة هذا النمط من الممارسات تتطلب جملة من الإجراءات الجوهرية، من أبرزها:
ترسيخ استقلال القضاء وضمان عدم خضوعه للضغوط السياسية.
تعزيز آليات الرقابة البرلمانية والمجتمعية على أداء السلطة التنفيذية.
دعم حرية الصحافة والإعلام الاستقصائي لكشف الحقائق.
تمكين منظمات المجتمع المدني من أداء دورها الرقابي.
ضمان الشفافية في التحقيق في أي ادعاءات بوقوع انتهاكات.
فالسياسة، لكي تستعيد معناها الأخلاقي، يجب أن تنسجم فيها الوسائل مع الغايات. ولا يمكن لأي دولة أن تبني استقرارًا حقيقيًا على أساس التناقض بين الخطاب والممارسة. إن احترام القانون الإنساني لا يكون برفع شعاراته، بل بتجسيده في سلوك المؤسسات، وبالخضوع للمساءلة حين تُرتكب الأخطاء.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة أن القانون إذا لم يُحمِ الضعيف، و لم يُقيّد سلطة القوي، فإنه يتحول إلى أداة شكلية. أما السياسة التي تُخفي الممارسات خلف لغة إنسانية منمّقة، فإنها قد تكسب معركة الخطاب مؤقتًا، لكنها تخسر ثقة الشعوب على المدى البعيد. والثقة، حين تُفقد، يصعب استعادتها.

قد يعجبك ايضا