سُنَن اللّٰه في الحُكمِ والاختيار

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

عدالةُ اللهِ في الأرضِ حقٌّ قائمٌ بسُننٍ لا تتبدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، وحين ننظر إلى واقعنا السياسي، نُدرك أن الابتلاء ليس بقدرٍ غامض، بل هو مسؤولية واختيار، فالله يبتلي الأمم كما يبتلي الأفراد؛ يُهيئ أسباب النهوض، ثم ينظر كيف يعملون؟ وكيف يستخلفون في الأرض؟

وعليهِ، فإن التجربة الديمقراطية ليست مجرد آلية إجرائية، بل أمانة شرعية وأخلاقية؛ صوتُ الناخب شهادة، والشهادة مسؤولية، ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، فإذا كان الله قد ابتلى قوم صالح بالناقة، فإننا اليوم أبتلينا بقدرتنا على صون إرادتنا من الفساد والهوى، نطلب العيش الكريم، ثم نُسهم بأصواتنا في تمكين من يُبدد الكرامة، ونشكو الظلم ثم نُعيد إنتاج أسبابه حين نقدم العصبية على الكفاءة، والمصلحة الخاصة على الصالح العام.

وما نعرفه هنا، إن السياسة في جوهرها تدبيرٌ لشأن الناس بالعدل، والعدل قيمةٌ دينية قبل أن يكون مبدأً دستورياً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، فكيف نطلب بركة السماء ونحن نُفرط بأسباب الإصلاح في الأرض؟ خاصةً وإن الفساد يقوم على صمتٍ يُشرعنه، أو ولاءٍ يُحصنه، أو صوتٍ يمنحه شرعية البقاء.

حتماً، ليست المشكلة في النصوص ولا في الشعارات، بل في الضمير السياسي الذي يترجم الإيمان إلى سلوكٍ عام، فالإيمان الذي لا ينعكس عدلاً في الاختيار، ونزاهةً في الموقف، ومحاسبةً للمسؤول، يبقى إيماناً ناقص الأثر في المجال العام، فالاستخلاف يقتضي وعياً، والوعي يقتضي شجاعةً في قول الحق، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

وأخيراً، إذا أردنا دولةً عادلة، فعلينا أن نكون مجتمعاً يعدل في قراراته، وإذا أردنا قياداتٍ نزيهة، فعلينا أن نُحسن الاختيار ونُحسن المساءلة، فسنن الله لا تحابي أمةً تدعي الفضيلة وتُمارس نقيضها؛ بل ترفع من أخذ بالأسباب، وتُبدل حال من بدل ما بنفسه.

قد يعجبك ايضا