الفصل بين السلطات في العراق… نص دستوري مُعطّل أم مبدأ مُنتهك؟

عرفان سعدالله الداوودي

يقوم الدستور العراقي على مبدأٍ أساسي يُعدّ حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة، وهو مبدأ الفصل بين السلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.
هذا المبدأ ليس ترفًا قانونيًا، بل ضمانة دستورية لمنع الاستبداد، وكبح الفساد، وتحقيق التوازن في إدارة الدولة.

لكن السؤال الجوهري اليوم:
هل يُحترم هذا المبدأ فعلاً في الواقع السياسي العراقي؟

الدستور واضح.
لا يحق لأي سلطة أن تعتدي على المهام والصلاحيات المرسومة لسلطة أخرى. فعضو مجلس النواب، على سبيل المثال، مهمته تشريعية ورقابية، وليست تنفيذية.
ليس من صلاحياته التدخل في شؤون وزارة، أو مخاطبة وزير بشكل مباشر لإصدار أوامر، أو إدارة مشاريع خدمية. وإذا كانت لديه ملاحظات على أداء وزارة ما، فالدستور رسم له طريقًا واضحًا:
الاستجواب والمساءلة داخل مجلس النواب، ووفق الآليات الدستورية.

أما أن يتحول النائب إلى “مدير مشاريع”، فيقوم بتبليط شارع، أو نصب مولدة كهرباء، أو الوعد بالتعيين مقابل الدعاية الانتخابية، فذلك يمثل خرقًا صريحًا لمبدأ الفصل بين السلطات، واستغلالًا للنفوذ لتحقيق مكاسب سياسية.

الأخطر من ذلك أن بعض المرشحين لعضوية مجلس النواب يمارسون أدوارًا تنفيذية قبل وصولهم إلى المنصب، فيوزعون الوعود والخدمات وكأنهم جزء من السلطة التنفيذية، في خلطٍ خطير بين العمل الانتخابي والعمل الحكومي.
وهذا السلوك لا يعبّر عن خدمة عامة، بل عن تشويهٍ لبنية النظام الديمقراطي.

الأمر ذاته ينسحب على السلطة التنفيذية، فلا يحق لها التدخل في أعمال السلطتين التشريعية أو القضائية إلا في الحدود التي رسمها الدستور. كما لا يجوز لها التأثير على القضاء أو توجيه قراراته، لأن استقلال القضاء هو الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين.

إن التداخل غير المشروع بين السلطات الثلاث فتح الباب واسعًا أمام:
• الفساد الإداري والمالي
• شراء الذمم
• بيع المناصب
• تحويل الوظيفة العامة إلى أداة انتخابية

حين يختلط التشريع بالتنفيذ، ويُضغط على القضاء، تنهار هيبة الدولة، وتتحول المؤسسات إلى أدوات نفوذ بدلاً من أن تكون أدوات خدمة.

إن احترام الدستور لا يكون بالشعارات، بل بالالتزام العملي بحدود الصلاحيات.
والديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات، بل بمدى احترام مبدأ الفصل بين السلطات.

فإما أن نكون دولة مؤسسات يحكمها الدستور،
أو نبقى في دائرة التداخل والفوضى، حيث تضيع المسؤولية ويزدهر الفساد .

قد يعجبك ايضا