د.إبراهيم خليل إبراهيم
الرجال والنساء والأطفال كانوا هتافهم في حقبة من الزمان ( ياعزيز .. ياعزيز .. كبة تاخد الإنجليز ) ولكن الأجيال الحالية لاتعلم أسرار ذلك ومن ثم نقول أن عبد العزيز زكريا علي الشهير بعزيز المصري من مواليد عام ١٨٨٠ من عائلة شركسية عريقة تعرف بعائلة شاهلبة وقد سكنت العراق لفترة ثم انتقلت إلى مصر وتوفى والده وهو فى العاشرة من عمره وفارقت والدته الحياة بعد أبيه بخمس سنوات فكفلته أخته حرم على باشا ذو الفقار محافظ القاهرة وبعد حصوله على البكالوريا كانت رغبته أن يلتحق بالكلية الحربية ودخل المهندس خانة المصرية لدراسة الرياضيات وعلم المثلثات والعلوم الحديثة استعدادا للالتحاق بالكلية الحربية فى اسطنبول وهناك أطلقوا عليه ( قاهرة لى عزيز على ) أى : عزيز على المصرى وكان باستمرار من الأوائل فى الكلية الحربية التركية مما ساعده على الالتحاق بكلية أركان حرب التى تخرج فيها عام ١٩٠٥ وأثناء سنوات الدراسة أعجب بالضباط الألمان الذين كانوا يقومون بالتدريس واحترم فيهم العقلية الجادة والتفكير السليم واحترام الإنسان وتقديس العمل وكان قد التقى خلال وجوده فى الكلية الحربية بعدد من الشباب العربى والأتراك الساخطين على الحكم العثمانى من بينهم نورى السعيد وجعفر العسكرى ومصطفى كمال أتاتورك وكان أتاتورك قد كون جمعية الوطن عام ١٩٠٦ ثم انضمت هذه الجمعية إلى جمعية الاتحاد والترقى التى كانت تهدف إلى خلع السلطان عبد الحميد وإقامة دولة تركية ديمقراطية وهى الجمعية التى كان عزيز المصرى عضوا فيها وانتهت جهود الجمعية بثورة شاملة عام ١٩٠٩ أسفرت عن عزل ونفى السلطان عبد الحميد وتعيين السلطان محمد الخامس بدلا منه وبعد استيلاء الاتحاديين الأتراك على امور البلاد دب الخلاف بينهم وبين الضباط العرب الذين كانوا يأملون فى الحصول على نوع من الحكم الذاتى لبلدانهم فلما لم يتحقق ذلك بدأت الدعوة إلى العروبة يشتدّ عُودها وكان لعزيز المصرى دور كبير فى هذه الدعوة فاختاره الضباط العرب لقيادتهم وانفصلت العناصر العربية عن جمعية الاتحاد والترقى بسبب عداوتها للعرب وعندما قامت ثورة اليمن ضد الحكم العثمانى عام ١٩١١ ذهب عزيز المصرى على راس الجيش التركى لقمع الثورة وتمكن من حقن دماء الطرفين بعقد صلح مع يحيى حميد الدين إمام اليمن ثم سافر عزيز المصرى بعد ذلك إلى ليبيا لمحاربة الإيطاليين

عاد عزيز المصرى إلى الآستانة سنة ١٩١٣ فى وقت بلغ العداء التركى للعرب ذروته فاستقال من الجيش وتفرغ للعمل ضمن صفوف الحركة العربية وأسس فى العام ذاته بالتعاون مع مجموعة من الضباط العرب جمعية العهد التى ضمت فى عضويتها ٣١٥ ضابطاً عربيا وكان برنامج جمعية العهد يقوم على إنشاء اتحادفيدرالى يضم كل الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية بما فى ذلك مصر والسودان وطرابلس والمغرب وتونس على أن تنشىء كل قومية فيها كيان إداريا مستقلاً ويكون السلطان العثمانى رئيساً رمزياً لا فعلياً للاتحاد وتزايد النشاط القومى لعزيز المصرى مما دفع السلطات التركية لاعتقاله فى فبراير عام ١٩١٤ وقدمته للمحاكمة ناسبة إليه عدداً من الاتهامات الباطلة وحكمت عليه المحكمة العسكرية التركية بالإعدام وهو ما أثار حركة معارضة قومية فى كافة الأقاليم العربية ووصلت البرقيات والخطابات من جميع أنحاء العالم العربى تطلب من السلطان محمد رشاد محاكمة أنور باشا الذى كان وراء المحاكمة وان يطلق سراح البطل عزيز المصرى وكتب أمير الشعراء احمد شوقي قصيدة إلى السلطان يشيد فيها بعزيز المصرى بطل اليمن وليبيا واضطر السلطان محمد رشاد إلى الإفراج عن عزيز المصرى الذى عاد إلى مصر إلا أن الثائر لا يهدأ فالمصري لا همّ ولا تفكير له إلا وحدة العرب واستقلالهم وأعلن الأميران على وفيصل انجال الشريف حسين فى ١٩١٦ استقلال العرب من الحكم التركى واشتعلت شرارة الثورة العربية فى الحجاز فسافر عزيز المصرى إلى هناك للإسهام فى تنظيم الجيش العربى وعينه الشريف حسين وكيلاً لوزارة الحربية وقائدا لجيش العرب فحقق إنجازات كبيرة فى بناء الجيش وقيادته نحو النصر
كانت دسائس الإنجليز سبباً فى حدوث الخلاف بين عزيز المصرى والشريف حسين لأن المصرى رفض عروض الإنجليز بالتعاون معهم وكان يعرف حقيقة أطماعهم فى البلاد العربية ولذلك ما أن وصل إلى القاهرة حتى بدأت مضايقاتهم له خاصة بعد أن رفض التعاون معهم فى العراق وعرضوا عليه أن يكون ملكاً علي اليمن فرد عليهم بقوله : كيف أجلس على عرش اليمن وهو ملك لأهله وليس ملكا لكم ؟ وسافر إلى أسبانيا منفياً وكان هذا الإجراء متوقع بعد أن فشلت محاولاتهم لإقناعه بالانضمام إليهم ومن أسبانيا سافر عزيز المصرى إلى ألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وفى ألمانيا عمل عزيز المصرى مدرساً فى كلية أركان الحرب حيث كان يدرس تجربته فى حربه ضد البلغار وأسلوب حرب العصابات الذى ابتدعه وسط المناطق الجبلية ووسط الصحراء والغابات فى ليبيا ضد الإيطاليين وظل البطل عزيز المصرى منفياً عن بلاده حتى عاد إلى مصر سنة ١٩٢٤ بعد أن وصل حزب الوفد إلى الحكم وبعد شهور قليلة من عودته تلقى رسالة من صديقه وزميله فى الجيش العراقي الضابط ياسين الهاشمى الذى أصبح رئيسا لوزراء العراق ويطلب منه سرعة التوجه إليه فلبّى الدعوة حيث التقى بالعديد من رجال جمعية العهد الذين كانوا ضباطاً عراقيين فى الجيش العثماني ثم جاءوا للعمل فى الجيش العراقي وأخبره ياسين الهاشمى أنه يفكر فى القيام بانقلاب عسكري فى العراق وتحقيق حلمه القديم بجعل بغداد نقطة الانطلاق كبلد عربي مستقل تكون البداية لتحرير البلاد الأخرى وطلب منه مساعدته على وضع الخطة المناسبة ولم يسترح الإنجليز لوجود عزيز المصرى فى العراق فاستدعاه المندوب السامي البريطاني وسأله عن سر وجوده ؟ فرد عليه عزيز عما يفعله هو فى العراق وهو الانجليزى الأجنبى بينما عزيز يعتبر وجوده فى العراق وطنه العربي أمراً طبيعياً لا يسأل عنه وعرضوا عليه تعيينه رئيساً لشركة نفط العراق براتب قدره ٥ آلاف جنيه وبيت أنيق فى لندن ولكنه رفض فصدرت الأوامر بإبعاده عن العراق وعاد عزيز المصرى إلى القاهرة عام ١٩٢٦ وتقديراً لدوره الوطني والقومي واعترافاً بعبقريته العسكرية اختاره محمد محمود باشا رئيس الوزراء المصرى عام ١٩٢٨ مديراً لكلية الشرطة فاستحدث فيها أساليب جديدة فى التعليم والتربية واختار أعضاء هيئة التدريس من بين الضباط الأكفاء فى مصر وأصبح لهذه الكلية صيت واسع نظراً لما بذله عزيز المصرى من جهد واضح وما عرف عنه من الحزم والجدية وعبقرية التنظيم والإدارة والمعرفة الموسوعية مما أثار إعجاب الملك فؤاد ملك مصر وفي فترة رئاسته للأركان فتح دخول الجيش المصري لابناء الطبقات المتوسطة والفقيرة وهى الدفعة اللي دخل فيها الكلية الحربية جمال عبد الناصر وأنور السادات وغالبية الضباط الأحرار
اُّعجب الملك فؤاد بعزيز وبما أحدثه فى كلية الشرطة فاختاره أن يكون الرائد الأول للأمير فاروق ولى العهد ورقى إلى درجة الفريق وعين مفتشاً عاماً للجيش المصرى ليكون أول مصري يشغل هذا المنصب لكن قدر عزيز المصرى أن يكون ثائراً باستمرار بعد أن عزله الإنجليز من منصبه الذى لم يقض فيه أكثر من سنة وفي حرب ١٩٤٨ شارك بوضع الخطط وتوجية المتطوعين في الحرب وكانت المحطة الأخيرة فى حياة عزيز المصرى العسكرية والسياسية هى ارتباطه بالضباط الأحرار وكان أنور السادات أول من التقاه من الضباط الأحرار حيث كان يزوره فى بيته ضمن غيره من شباب مصر الذين كانوا يناقشونه فى أمور البلاد السياسية وكان تنامى إلى علمه وجود تنظيم شاب فى الجيش يعمل على تخليص البلاد من الملك والإنجليز وأن السادات ضمن هذا التنظيم وأصبح أنور السادات ضابط الاتصال بين عزيز المصرى والضباط الأحرار وقرر أن يكون الأب الروحي لهم وكان المفروض أن يكون هو رئيس الثورة ولكنه رفض ليحل محله اللواء محمد نجيب ونصح جمال عبد الناصر بعد نجاح الثورة بعدم محاكمة الملك فاروق والاكتفاء بتنازله عن العرش وعرفاناً بجميله وأبوته الروحية لهم اختارت الثورة الفريق عزيز المصرى ليكون أول سفير لهم فى الاتحاد السوفيتي ليعمل على إعادة تسليح الجيش المصرى وظل رغم كبر سنه متابعا لأحوال الوطن حتى أنه أقترح توحيد الجبهة لرد العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ وفي عام ١٩٦٥ توفي عزيز المصري بعد رحلة كفاح طويلة وقام الرئيس جمال عبد الناصر مع رجال الدولة بتقدم جنازته العسكرية خلف جثمانه الذي تم حمله على عربة مدفع طبقا للتقاليد العسكرية