مائة ألف دينار لرأس البارزاني كيف تناولت الصحافة الإسبانية الثورة الكوردية عام 1963؟

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في 29 حزيران/يونيو 1963 نشرت صحيفة El Noticiero Universal الإسبانية عنواناً لافتاً تصدّر صفحتها:
«100.000 dinars por la cabeza de Mustafá El Barzani»
أي: مائة ألف دينار مقابل رأس مصطفى البارزاني.

لم يكن العنوان مجرد خبر عابر، بل يعكس مرحلة سياسية شديدة التعقيد في تاريخ العراق والمنطقة، ويكشف في الوقت نفسه عن الحضور الدولي المتنامي للقضية الكوردية في ستينيات القرن العشرين.
جاء نشر الخبر بعد أشهر قليلة من انقلاب 8 شباط 1963 الذي أطاح بعبد الكريم قاسم، ودخل العراق إثره في مرحلة من الاضطراب السياسي والصراع الداخلي. في تلك الأثناء كانت المواجهات بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية بقيادة الزعيم الملا مصطفى البارزاني تتصاعد مجدداً بسبب تعنت الحكومة العراقية و رفضها للحقوق القومية الكوردية، لتتحول إلى حرب مفتوحة في العراق .
إعلان مكافأة مالية كبيرة مقابل “رأس” البارزاني يعكس مستوى التصعيد الرسمي، ويشير إلى انتقال الصراع من خلاف سياسي إلى مواجهة وجودية تُستخدم فيها أدوات الحرب النفسية والتحريض.
الصحيفة الإسبانية لم تكتفِ بنقل خبر المكافأة، بل أوردت توصيفاً سياسياً لافتاً:

> “زعيم الثورة الكوردية اتُّهم بأنه شيوعي وعميل للولايات المتحدة.”
هذا الجمع بين تهمتين متناقضتين ظاهرياً يعكس طبيعة الخطاب السياسي في زمن الحرب الباردة، حيث كانت الاتهامات الأيديولوجية تُستخدم كسلاح تعبوي أكثر من كونها توصيفاً دقيقاً للواقع.

فالبارزاني، الذي لجأ إلى الاتحاد السوفيتي بعد سقوط جمهورية كوردستان (1947–1958)، كان يُتهم” بالشيوعية” بسبب علاقاته السابقة بموسكو، بينما كانت اتصالاته اللاحقة ببعض الأطراف الغربية تُستثمر ضده باتهامه “بالتعامل مع الولايات المتحدة”. هذا التناقض يكشف أن الصراع لم يكن محلياً فحسب، بل كان متشابكاً مع التوازنات الدولية.
نشر هذا الخبر في صحيفة إسبانية عام 1963 يدل على أن الثورة الكوردية لم تكن شأناً عراقياً داخلياً فقط، بل أصبحت موضوعاً دولياً تتابعه الصحافة الأوروبية. كما أن إبراز صورة الزعيم الملا مصطفى البارزاني في الصفحة ذاتها يعكس إدراكاً لدوره كشخصية سياسية وعسكرية مؤثرة في الشرق الأوسط.
إسبانيا في تلك المرحلة كانت تحت حكم فرانكو، وكان خطابها الإعلامي يميل إلى توصيف الحركات المسلحة في الخارج ضمن إطار أمني أو أيديولوجي. لذلك جاء تناول الموضوع بلغة تُبرز الطابع “الثوري” و”الأمني” للصراع، دون الدخول في عمق أبعاده القومية والتاريخية.
إعلان مكافأة مالية كبيرة (مئة الف دينار عراقي لعام 1963) يحمل عدة دلالات:

1. محاولة نزع الشرعية السياسية عن قائد الحركة الكوردية عبر تحويله إلى “مطلوب”.
2. رسالة ردع موجهة إلى أنصاره.
3. أداة حرب نفسية تهدف إلى خلق حالة انقسام أو اختراق داخل البيئة الحاضنة.
لكن التاريخ أثبت أن مثل هذه الإجراءات لم تُضعف الحركة الكوردية، بل ساهمت في تعزيز صورة البارزاني كرمز للمقاومة لدى أنصاره و زعيم حركتهم القومية.
تُمثل هذه الصفحة الصحفية وثيقة أرشيفية نادرة ضمن محور “الكورد في الصحافة العالمية”، إذ توثق:
حجم الاهتمام الدولي بالقضية الكوردية في الستينات.
بعد أكثر من ستة عقود، تبقى هذه المادة شاهداً على مرحلة كانت فيها كوردستان ساحةً لتقاطع الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وكان اسم الزعيم مصطفى البارزاني يتردد في عواصم بعيدة، من بغداد إلى مدريد.

إن قراءة مثل هذه الوثائق لا تعيدنا إلى الماضي فحسب، بل تساعدنا على فهم كيف تشكّلت صورة القضية الكوردية في الوعي العالمي، وكيف كُتبت فصولها الأولى في الصحافة الدولية.

قد يعجبك ايضا