الدستورية والتوافق السياسي: قراءة فلسفية نقدية في توزيع الرئاسات الثلاث في العراق

المقدمة
يمثّل دستور 2005 نقطة تحول مفصلية في تاريخ العراق الحديث، إذ شكّل انتقال الدولة من نظام مركزي إلى دولة اتحادية، بنظام حكم جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي قائم على التداول السلمي للسلطة.
رغم وضوح النصوص الدستورية، أفرز الواقع السياسي العراقي ممارسة توافقية لتوزيع الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، رئاسة مجلس النواب) على أسس إدارة التنوع الثقافي، مستندة إلى روح الدستور ومبادئه التأسيسية.
تثير هذه الظاهرة سؤالاً فلسفياً قبل أن يكون قانونياً: هل يمكن للسياسة أن تولّد شرعية موازية للنص الدستوري، أم أن الدستور، بوصفه التعبير الأعلى عن الإرادة الجمعية، يظل المرجع الوحيد الذي لا يُستبدل؟ هذا التساؤل يقودنا إلى استكشاف طبيعة الشرعية الدستورية وعلاقتها بالممارسة السياسية في سياق عراق متعدد المكونات ومتقاطع الهويات.

أولاً: الشرعية الدستورية وابعادها الفلسفية
الشرعية الدستورية ليست مجرد آلية قانونية، بل تصور فلسفي يحدد حدود السلطة ومصدرها. فهي تفترض أن النص الدستوري يمثل التعبير الأسمى عن العقد الاجتماعي، وأن أي ممارسة سياسية لا تستمد مشروعيتها إلا بقدر انسجامها مع هذا النص.
في السياق العراقي، يظهر التوتر بين شكلين من الشرعية:
1. الشرعية القانونية: المستمدة من النصوص الدستورية، مثل: انتخاب رئيس مجلس النواب (المادة 49)، ورئيس الجمهورية (المادة 70)، وتكليف رئيس الوزراء (المادة 76).
2. الشرعية السياسية: القائمة على توافق القوى الاجتماعية لضمان الاستقرار، والتي أدت إلى خلق عرف دستوري أو تسوية سياسية لتوزيع الرئاسات الثلاث.
تكرار هذا التوزيع يعكس محاولة لتأسيس عرف دستوري، لكنه بقي عرفًا سياسيًا أو تسوية ظرفية تعكس إرادة العيش المشترك أكثر من كونه قاعدة قانونية مؤسسة. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا العراقية في قرارها رقم 30 لسنة 2007 أن الممارسة السياسية لا يمكن أن تتجاوز النصوص الدستورية الجامدة، لكنها يمكن أن تؤسس عرفًا عند انسجامها مع المبادئ التأسيسية.
ولتأصيل هذا التحليل فلسفياً، يمكن الاستناد إلى ثلاثة أطر نظرية:
1. هابرماس: يرى أن الشرعية التواصلية تقوم على التوافق الناتج عن النقاش الحر، ما يفسر الحاجة إلى التوافقية في المجتمعات المنقسمة.
2. راولز: يعتبر أن العدالة كإنصاف تفترض أن المؤسسات تضمن الحد الأدنى من المساواة بين المكونات، ما يبرر التوافقية كمرحلة انتقالية.
3. كارل شميت: يؤكد أن السيادة هي القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت التوافقية العراقية حالة استثناء دائمة أم قاعدة مستقرة.
توفر هذه الأطر النظرية سياقاً فلسفياً يفسر التوازن بين النص الدستوري الجامد والممارسة السياسية، ويضع الشرعية العراقية ضمن حوار أوسع حول الدولة الحديثة.

ثانياً: التوافقية وإطار التوازن والشراكة
تفترض الديمقراطية التوافقية أن المجتمعات المنقسمة لا يمكن إدارتها بمنطق الأغلبية وحده، بل تحتاج إلى ضمانات متبادلة تحفظ مصالح جميع المكونات.
في العراق، نشأت التوافقية خارج النصوص القانونية، لتصبح بمثابة “دستور عرفي” يوازي الدستور المكتوب.
رغم أن المواد الدستورية الخاصة بالرئاسات الثلاث لا تحدد أي توزيع قومي أو طائفي، تؤكد ديباجة الدستور والمبادئ الأساسية على قيم التوازن والشراكة والتوافق بين المكونات. وقد شكّلت هذه المبادئ أرضية رمزية لتبرير التوافقية السياسية، محاولةً تجسيد روح الدستور في الواقع السياسي، رغم غياب قاعدة قانونية ملزمة.
من هنا ينبثق سؤال فلسفي جوهري: هل يمكن للدولة أن تمتلك دستوراً مزدوجاً، أحدهما مكتوب والآخر عرفي، وأيهما يتفوق شرعياً؟

ثالثاً: المقارنة الدستورية والآثار الفلسفية والسياسية
1. المقارنة الدولية
– لبنان: التوافقية مقننة دستورياً، قاعدة مؤسسة وليست ممارسة ظرفية، مع نصوص واضحة لتوزيع الرئاسات بين المسيحيين والمسلمين وفقًا للطائفية.
– بلجيكا: التوازن اللغوي منصوص عليه، والتوافق جزء من البنية الدستورية لضمان مشاركة المجتمعات الفلمنكية والوالونية.
– جنوب أفريقيا: التوافقية كانت مرحلة انتقالية تحولت لاحقاً إلى نظام أغلبية بعد انتخاب حكومة موحدة لضمان المصالحة الوطنية.
2. الآثار الفلسفية والسياسية في العراق
– تحوّل النظام البرلماني من منطق الأغلبية إلى منطق المشاركة الشاملة، مما يفرغ المعارضة من مضمونها.
– ازدواجية الشرعية بين النص الدستوري الجامد والممارسة التوافقية، ما يضعف الثقة بالمؤسسات.
– تكريس المحاصصة، واعتماد الهوية القومية والطائفية معياراً للسلطة بدلاً من الكفاءة أو الإرادة الشعبية.
– إطالة أمد الانتقال، حيث تتحول التوافقية من تسوية مؤقتة إلى قاعدة شبه دائمة، مما يعيق تطور النظام السياسي واستقراره المؤسسي.

الحالة العراقية فريدة، إذ تعيش في منطقة رمادية بين القانون والسياسة، توافقية تعتمد على روح الدستور والمبادئ التأسيسية. وتجدر الإشارة إلى أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا (رقم 35 لسنة 2008 ورقم 88 لسنة 2012) أكدت أن أي ممارسة سياسية يجب أن تراعي المبادئ التأسيسية وتوازن السلطات، وإلا تصبح غير شرعية.

رابعاً: آفاق الإصلاح والمقترح العملي
تفرض الفلسفة الدستورية على الدولة خياراً حاسماً لمعالجة الإشكالية القائمة في توزيع المناصب السيادية بين المكوّنات العراقية، خصوصاً بعد تجربة التوافقية التي أظهرت حاجة ماسة لضبطها وإضفاء صفة رسمية وشفافة عليها. بناءً على ذلك، نقترح مقترحاً عملياً لصناع القرار يعكس التوازن بين الالتزام بالدستور ومرونة الممارسة السياسية
1. إنشاء مجاميع انتخابية لكل مكوّن (الشيعي، السني، الكوردي) تختار ممثلها فيما يخص الرئاسات الثلاث والمناصب السيادية.
2. اعتماد هذه المجاميع كآلية رسمية ضمن قانون الانتخابات لضمان تمثيل المكونات مع الحفاظ على الشفافية والمساءلة.
3. تركيب المجمع الانتخابي من أعضاء برلمان الإقليم ونوابه في مجلس النواب العراقي، وأعضاء مجلس المحافظات غير المنتظمة في الإقليم ونوابها في مجلس النواب العراقي، مع دمج هذا النظام مع نصوص دستورية واضحة لتقليل ازدواجية الشرعية بين النص الجامد والممارسة التوافقية.

الخاتمة
يكشف توزيع الرئاسات الثلاث في العراق بعد دستور 2005 عن مأزق فلسفي وقانوني في آن واحد، يتمثل في ازدواجية الشرعية بين النص الجامد والممارسة السياسية.
إن استمرار التوافقية دون تقنين رسمي يضعف مؤسسات الدولة ويطرح سؤالاً فلسفياً: هل تكفي المبادئ التأسيسية لتبرير الممارسة، أم أن الشرعية لا تكتمل إلا بتحويل هذه المبادئ إلى نصوص ملزمة؟
يمكن أن يمثل تقنين التوافقية عبر مجاميع انتخابية لكل مكوّن خطوة عملية لإعادة التوازن بين النص الدستوري والممارسة السياسية، بما يضمن استقرار المؤسسات وشفافية العملية السياسية.

قد يعجبك ايضا