حين يُفرض الحكم بالقوة: كيف تُكسر المجتمعات من الداخل..؟

ماهين شيخاني

ليس أخطر على الشعوب من انقلابٍ سياسي أو فرضِ حكمٍ جديد بالقوة، خاصة حين يُسلَّط هذا الحكم على مجتمع متعدّد المكونات العرقية والثقافية. فالسلاح قد يحسم السيطرة، لكنه لا يصنع شرعية، والقبضة الأمنية قد تُسكت الأصوات، لكنها لا تبني دولة ولا تُنتج سلامًا.

في مثل هذه اللحظات، لا يبدأ الخراب من الجبهات، بل من داخل الإنسان نفسه.

الصدمة الأولى: انهيار المعنى
حين يُفرض واقع سياسي جديد دون توافق أو عقد اجتماعي، تدخل المجتمعات في حالة صدمة جماعية. لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: إلى أين نمضي؟
تتبدّل القواعد فجأة، وتُعاد كتابة الخطوط الحمراء دون إنذار، فينشأ شعور عام بأن المستقبل بات غامضاً، وأن القانون لم يعد مرجعاً، بل القوة والأمر الواقع.

في المجتمعات المتعددة، تتضاعف الصدمة؛ إذ يشعر مكوّن ما بأنه مستهدف وجودياً، بينما يظن آخر أنه الرابح المؤقت، في حين يختار ثالث الصمت خوفاً. وهنا تبدأ بذور الانقسام العميق.

الخوف… حين يصبح نمط حياة
أخطر ما يخلّفه الحكم المفروض هو الخوف المزمن.
خوف من الكلام، من الرأي، من الهوية، وحتى من الذاكرة.
يتحوّل المواطن إلى كائن حذر، يزن كلماته لا بميزان الحقيقة، بل بميزان النجاة.

ومع الوقت، ينشأ الانقسام النفسي للفرد:
ما أفكر به لا أقوله، وما أشعر به لا أُظهره.
هذه الازدواجية القسرية تُنهك الإنسان، وتُنتج نفاقاً عاماً، وتدمّر الثقة بين الفرد وذاته، قبل أن تدمّرها مع الآخرين.

والأخطر أن الخوف لا ينتهي عند هذا الجيل، بل يُورَّث للأبناء، ويُزرع في التربية، ويغدو جزءاً من الذاكرة الجماعية.

المجتمع… من الشراكة إلى الشك
في ظل الحكم القسري، يتفكك النسيج الاجتماعي.
تُعاد تصنيف الناس على أساس العِرق أو الطائفة أو اللغة، وتُكافأ الموالاة بدل الكفاءة، ويُنظر إلى الجار بريبة، وإلى الاختلاف كتهديد.

تنتشر ثقافة الوشاية، ويصبح الصمت فضيلة، والكلام مغامرة.
وهنا يموت المجال العام، وتتحوّل الدولة من فضاء قانون إلى ساحة ثأر، ومن إطار جامع إلى أداة فرز وإقصاء.

الثقافة والهوية تحت الحصار
في المجتمعات المتعددة، لا يكون الصراع على السلطة فقط، بل على الهوية.
تُفرض هوية مركزية واحدة، وتُختزل باقي الهويات إلى فولكلور هامشي، وتُقصى اللغات غير المعترف بها من التعليم والإعلام والإدارة.

هكذا لا يحدث توحيد وطني، بل إلغاء ناعم أو خشن، وتشويه للذاكرة الجماعية عبر إعادة كتابة التاريخ، وشيطنة رموز بعض المكونات، وتمجيد رواية واحدة للبلاد.

فينشأ جيل لا يرى نفسه في كتبه، ولا يسمع لغته في فضائه العام، ولا يجد تاريخه معترفاً به.

استقرار زائف… وانفجار مؤجَّل
قد ينجح الحكم المفروض بالقوة في فرض “استقرار أمني” مؤقت، لكنه استقرار هشّ، قائم على الخوف لا على القناعة.
هو هدنة صامتة، لا سلاماً دائماً.
كل مكوّن يشعر أن الدولة ليست دولته، وأن الحكم فوقه لا منه، وأن الشراكة وعدٌ مؤجَّل لا يأتي.

وهنا تكمن المفارقة القاسية:
السلطة التي تُقصي التنوع باسم الوحدة، تزرع بذور الانقسام.
والحكم الذي يفرض نفسه بالقوة، يصنع أزمات مستقبلية أعنف.

الخلاصة
أي حكم يُفرض بالقوة على مجتمع متعدّد المكونات قد ينجح في السيطرة، لكنه يفشل في بناء دولة.
يزرع في النفوس خوفاً، وفي المجتمع شكاً، وفي الثقافة صمتاً، وفي المستقبل قلقاً مؤجَّل الانفجار.

فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا تُحكم بالإقصاء، بل بالاعتراف، والعدالة، والشراكة الحقيقية.
وما عدا ذلك… ليس إلا إدارة مؤقتة لأزمة طويلة.

قد يعجبك ايضا