لقاء التآخي مع الخبير الاقتصادي ثامر الهيمص

التآخي – ناهي العامري

التقت التآخي بالباحث الاقتصادي ثامر الهيمص، وتحدث لنا عن التجربة الفيتنامية في البناء الاقتصادي قائلاً:
نتحدث عن بلد لم تخرج من حرب واحدة، بل من سلسلة حروب مدمرة استنزفت البشر والحجر، ليجد نفسه في الثمانينيات غارقاً في تضخم وصل إلى 700% ومجاعة تهدد الملايين.

لكن في عام 1986، اتخذت القيادة الفيتنامية قراراً شجاعاً بالاعتراف بالخطأ، وأطلقت صرخة التغيير تحت اسم “دوي موي” (Doi Moi) أو “التجديد”.

لقد قرروا أنهم اكتفوا…اكتفوا من الحروب ومشاكلها وآلامها…

يكفي ما مضى ومركز على مستقبل بلادنا..
ليصنعوا المعجزة الحقيقية في سنوات قليلة ،دون وعود براقة أو رسم أمال لشعبهم،فقط بدأوا في العمل.

وبدأ الأمر بالانفتاح.
ولكنه ليس كإنفتاح بعض الدول الأخرى ،كان انفتاحاً مدروس ومصمم لخدمة المواطن الفيتنامي.

توقفت فيتنام عن الصدام مع العالم. سحبت قواتها من كمبوديا، وصفرت مشاكلها مع الصين وأمريكا، ورفعت شعار: “نريد أن نكون أصدقاء للجميع”.

حررت العقول والأيدي و سمحت الدولة للمزارعين بامتلاك محاصيلهم وبيعها (بعد أن كان كل شيء ملكاً للدولة)، فجأة تحولت فيتنام من بلد يستورد الأرز ليعيش، إلى ثاني أكبر مُصدر للأرز في العالم.

وبدلاً من الخوف من الرأسمالية، فتحت أبوابها لشركات الأجنبي مثل سامسونج وإنتل، ووفرت بيئة مستقرة جعلت المصانع تهاجر من الصين إليها.

أما الشعب فقد كان الرهان الرابح عليه.

فإذا كانت المصانع هي المحرك، فالتعليم كان الوقود.

فيتنام لم تستثمر في التعليم لمجرد محو الأمية، والتي كانت منتشرة بين أوساط الشعب الفيتنامي ،بل استثمرت فيه كاستراتيجية أمن قومي.

وقد كان الاستثمار الضخم في تاريخها…

خصصت فيتنام قرابة 20% من ميزانيتها السنوية للتعليم، وهي نسبة تتفوق بها على دول أغنى منها بكثير.

فقد كان التعليم بالنسبة للفيتناميين، هو الطريق الوحيد للهروب من الفقر، وهو إرث ثقافي متجذر.

ركزت الدولة على الرياضيات والعلوم والبرمجة. والنتيجة؟
تجدها صارخة في اختبارات PISA العالمية، غالباً ما يتفوق الطلاب الفيتناميون على أقرانهم في دول متقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة في الرياضيات والعلوم.

وبطبيعة الحال لم تكتفِ فيتنام بالشهادات النظرية، بل أنشأت مراكز تدريب مهني تقني بالشراكة مع الشركات الأجنبية.

فالطالب أصبح هناك يتعلم ما يحتاجه المصنع غداً، مما جعل القوى العاملة الفيتنامية “ذكية” وليست فقط “رخيصة”.

والأرقام تتحدث عن ماذا صنعوا في بلادهم..
معدل الفقر الذي كان أكثر من 70% من السكان في الثمانينات ،اليوم هو أقل من 2% وهذا يعتبر انخفاض تاريخي.

نصيب الفرد من الناتج المحلي كان حوالي $90 – $100 دولار سنوياً في الثمانينات ،ليقفز اليوم إلي حوالي $4,700 – $5,000 دولار سنوياً أي أكثر من 50 ضعفاً.

حجم الاقتصاد الكلي كان حوالي $6 مليار دولار (1989) ،والان حوالي $514 مليار دولار (2025) أي نمو بمقدار 85 مرة.

في الثمانينات، لم يكن هناك وجود لما يسمى “الطبقة الوسطى”.
اليوم، تشير التقارير إلى أن فيتنام تمتلك واحدة من أسرع الطبقات الوسطى نمواً في جنوب شرق آسيا، حيث يتجه الملايين نحو استهلاك المنتجات التكنولوجية والسيارات والخدمات.

في الثمانينات، كانت فيتنام تستورد الأرز لتطعم شعبها.
اليوم، المزارع الفيتنامي الذي كان يتقاضى ملاليم، يساهم في جعل بلده ثاني أكبر مُصدر للأرز في العالم، وداخله ارتفع بفضل الملكية الخاصة للأراضي.

وبعد أن كانت بلد يكافح فقط من أجل البقاء ،أصبح بلد يطمح لأن يصبح دولة متقدمة.

ما فعلته فيتنام يثبت أن الماضي الأليم ليس قدراً. لقد حولوا “عقيدة الحرب” إلى “عقيدة بناء”، وأدركوا أن بناء الإنسان من خلال التعليم هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبداً.

اليوم، عندما تمسك بهاتفك الذكي أو ترتدي حذاءً رياضياً عالمياً، هناك احتمال كبير جداً أن يكون قد صُنع بأيدي شباب فيتناميين تعلموا كيف يبنون بلدهم من جديد.

معجزة فيتنام ،ليست معجزة مستحيلة التكرار ،يمكن أن تتكرر في أي بلد كان ،لو أراد أهلها وقياداتها ذلك.

قد يعجبك ايضا