سمير ميراني
(حدود لغتي هي حدود عالمي)لودفيغ فيتغنشتاين.
ليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل هي الوجود الإنساني بأفكاره وحقائقه، والحيّز الذي تتشكل فيه رؤية الإنسان إلى العالم، فهي بوصلة الثقافة، ومشكاة التاريخ، وأداة المعرفة، وبها تُصاغ الأفكار، وتترجم مخالج النفس وأعماق الوجدان إلى تعبيرٍ واعٍ ومفهوم.
ومن هنا فإن حدود اللغة لا ترسم فقط ما نقوله، بل ما نستطيع التفكير فيه، وما نقدر على تخيّله وفهمه.
واللغة بهذا المعنى ليست قالباً جامداً، بل كيان روحي حي يوحد الأمة مهما اختلفت لهجاتها، إذ تعبّر هذه اللهجات عن حيوية اللغة وتنوعها، ودليل على النزعة الفطرية للحرية، لا على التمزق أو التفكك، فاللغة الجامعة تظل الحاضن المشترك للهوية، والضامن لوحدة الشعور والانتماء، مهما تعددت الأصوات واختلفت الأساليب.
إن سيادة الشعوب وإثبات وجودها الحضاري مرهونان بنهضة لغتها، والحرص على صونها من الإهمال والتشويه والاستخفاف، فاللغة ليست أداة للتعبير فحسب، بل هي كما يرى مالك بن نبي (وعاء الفكر وميزان الحضارة)، وبها تُقنّن الحقوق، وتُصان الحريات، وتتشكل ملامح الوعي الجمعي، وترسم معالم الشخصية التاريخية للأمة.
ولخطورة اللغة وأهميتها في تشكيل الوعي، كانت عبر التاريخ هدفاً استراتيجياً لكل محتل ومستعمر، إذ إن أولى خطوات إخضاع الشعوب تبدأ بإضعاف لغتها الأم، وفرض لغة المحتل بديلاً عنها، لما لذلك من أثر عميق في إعادة تشكيل التفكير، وتشويه الثقافة، وتغيير السلوك الاجتماعي، وليس أدلّ على ذلك من المقولة الشائعة في الفكر الحضاري، (الأمة التي تفقد لغتها تفقد روحها)، فبفقدان اللغة تُقطع الصلة بالماضي، ويُمحى التاريخ المحفوظ في الكلمات، وصولاً إلى طمس الهوية وإلغاء الوجود.
وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تبقى اللغة خط الدفاع الأول عن الهوية، والحصن الأخير أمام الذوبان والاندثار، فهي ليست ترفاً ثقافياً ولا خياراً ثانوياً ، بل شرطٌ من شروط الوجود ذاته، وكل أمة تفرّط في لغتها إنما تفرّط في ذاكرتها، وفي حقها في الاستمرار والتاريخ.
إن حماية اللغة ليست مسؤولية النخب وحدها، بل واجب جماعي، لأن إذلال الأمة يبدأ بإذلال لغتها، والنهوض بها هو أول طريق الكرامة والحرية، وشرط استمرار الامة في الزمن والتاريخ.