نجاح هيفو
لا تتعرض النساء الكورديات للعنف فقط في البيوت المغلقة أو الأزقة المعتمة، بل في وضح النهار، على المنصات العامة، في السياسة، في الإعلام، في النشاط المجتمعي، وفي كل مساحة تحاول فيها المرأة أن تكون صوتًا لا صدى.
إنه عنف لا يترك كدماتٍ واضحة على الجسد، لكنه ينهش الكرامة، ويُكسِر الإرادة، ويُحاصر الوجود.
العنف الذي تواجهه النساء الكورديات في الشأن العام ليس حادثة فردية ولا سوء تفاهم عابر، بل نظامًا متكاملًا من الإقصاء، تحكمه عقلية ذكورية متعفّنة ترى في المرأة خطرًا إن فكرت، وفضيحة إن تكلّمت، وتهديدًا إن قادت. عقلية ما زالت تتعامل مع الحضور النسائي بوصفه تنازلًا مؤقتًا، لا حقًا أصيلًا.
في الاجتماعات السياسية، تُقاطع المرأة أكثر مما يُستمع إليها.
في الإعلام، يُسأل عن مظهرها قبل مضمون رأيها.
في الشأن العام، تُحاصر بالشائعات، ويُشكك في نواياها، ويُقلَّل من كفاءتها.
وإن أخطأت؟ يُجلد حضورها لا الفكرة.
وإن نجحت؟ يُقال إن هناك من يقف خلفها.
هذا ليس نقدًا، بل عنفٌ رمزيّ منظّم، هدفه إبقاء المرأة في موقع التابع، لا الشريك.
المرأة الكوردية التي تدخل الشأن العام تُواجَه بثلاثة مستويات متداخلة من العنف:
عنف المجتمع الذكوري الذي يرفض خروجها عن الدور التقليدي،
وعنف البنية السياسية الأبوية التي تسمح بوجودها شكليًا وتقصيها فعليًا،
وعنف الصمت المتواطئ الذي يطالبها بالصبر “من أجل القضية”.
كم مرة قيل للنساء الكورديات:
“ليس هذا وقت طرح قضاياكن”؟
وكأن حقوق النساء عبءٌ مؤجَّل، لا جزءًا لا يتجزأ من أي تحرر حقيقي.
الأخطر من ممارسة العنف هو تطبيعه.
حين يُبرَّر الإسكات باسم “الخبرة”.
ويُبرَّر التشهير باسم “حرية الرأي”.
ويُبرَّر الإقصاء باسم “المصلحة العامة”.
العقلية الذكورية المتعفنة لا تحتاج إلى عصا لتقمع، يكفيها خطاب مُحمّل بالاستعلاء، وممارسات يومية تُراكم الإهانة، حتى تصبح المرأة متهمة لمجرد وجودها.
والمؤلم أكثر أن هذا العنف لا يأتي دائمًا من الخصوم، بل أحيانًا من داخل الصف نفسه. من رجال يفترض أنهم شركاء نضال، لكنهم لا يحتملون امرأة قوية إلى جانبهم. يريدون المرأة رمزًا يُرفع عند الحاجة، لا فاعلة تشارك في القرار. صورة في الخلفية، لا صوتًا في الواجهة.
لكن النساء الكورديات لم يصلن إلى الشأن العام صدفة.
وصلن رغم التهديد، ورغم الحرب، ورغم التهميش، ورغم هذا العنف اليومي.
وصلن لأنهن يعرفن أن أي تحرر قومي بلا تحرر نسوي ليس سوى استبداد مؤجَّل بوجهٍ آخر.
وهنا، لا بد من قول ما يجب قوله بوضوح:
الصمت لم يعد خيارًا.
والتحمّل لم يعد فضيلة.
على النساء الكورديات، وكل النساء اللواتي يتعرضن للعنف في الشأن العام، التوجه إلى القضاء، واستخدام الأدوات القانونية المتاحة، ومحاسبة الصعاليك والأصوات الأقزمة التي اعتادت الاختباء خلف الميكروفونات، أو خلف مواقع التواصل، أو خلف “الصفة النضالية” لتبرير الإساءة والتشهير والتحريض.
إن اللجوء إلى القضاء ليس ضعفًا، بل فعل قوة.
هو نقل المعركة من ساحة الفوضى والسبّ إلى ساحة الحق والمسؤولية.
وهو رسالة واضحة بأن كرامة النساء ليست مادةً مستباحة، وأن الفضاء العام ليس حكرًا على الذكور ولا على المتنمّرين.
الأصوات الأقزمة التي تعيش على تشويه النساء،
والصعاليك الذين لا يملكون سوى الشتيمة،
يجب أن يُسمَّوا بأسمائهم، ويُحاسَبوا على أفعالهم، لا أن يُحمَوا تحت عباءة “الرأي” أو “النقد”.
إن أي مجتمع لا يضع حدًا لهذا العنف، هو مجتمع يساهم في استمراره.
وأي مشروع سياسي أو اجتماعي لا يوفّر الحماية القانونية والأخلاقية للنساء، ليس مشروع تحرر، بل إعادة إنتاج للقمع.
المرأة الكوردية ليست ضيفة في الشأن العام.
هي شريكة في النضال، وصاحبة حق، وصاحبة قرار.وأي يد تمتد لإسكاتها،يجب أن تُواجَه بالقانون،
وبالوعي وبالتضامن النسوي الصلب.
لأن كرامة النساء ليست قابلة للنقاش،والعنف، مهما تغيّر شكله،سيبقى عنفًا…ويجب أن يُحاسَب.