أحمد زبير باني
مسعود البارزاني وإعادة تعريف الصراع الكوردي كحقٍّ دولي لا كتمردٍ محلي
لم تكن القضية الكوردية، حتى وقتٍ قريب، أكثرَ في نظر العالم من صراعٍ هامشي على أطراف خرائط الدول؛ حكايةَ شعبٍ يسكن هوامش الجغرافيا ويطالب بما لا ترغب الأنظمة في سماعه. غير أن ما تغيّر لم يكن الجغرافيا، بل لغة مخاطبة العالم. وهنا، تحديدًا، يبدأ الدور المختلف للرئيس مسعود البارزاني.
لم يتعامل الرئيس مسعود البارزاني مع القضية الكوردية بوصفها صرخة غضب عابرة، ولا استمرارًا رومانسيًا لثورات الجبال، بل نظر إليها كـ ملفٍّ سياسي قابل للتدويل، إذا ما أُحسن تقديمه ضمن منطق يفهمه النظام الدولي ويضطر إلى احترامه.
من منطق السلاح إلى منطق الشرعية
التحوّل الجوهري الذي قاده الرئيس مسعود البارزاني لم يكن في تغيير الأهداف، بل في تغيير الأدوات. فبدل أن تبقى القضية الكوردية أسيرة خطاب الثورة الدائمة، جرى نقلها إلى:
• منطق المؤسسات
• لغة الدستور والقانون
• معايير الشرعية الدولية
بهذا التحوّل، لم يعد الكوردي يطلب التعاطف، بل يقدّم حجّة سياسية. ولم تعد القيادة الكوردية تُخاطَب كحركة احتجاج، بل كـ فاعل سياسي يمتلك أرضًا وشعبًا ومؤسسات.
دبلوماسية بلا ضجيج
في عالمٍ تُصنع فيه الأزمات بالصوت العالي، اختار الرئيس مسعود البارزاني طريقًا معاكسًا: الدبلوماسية الهادئة.
لم يُغرق القضية الكوردية في الخطابات الحادة، ولم يحوّلها إلى أداة ابتزاز سياسي، بل قدّم إقليم كوردستان كحقيقة قائمة لا كشعار عاطفي.
ومن خلال شبكة علاقات محسوبة مع القوى الدولية، نجح في ترسيخ صورة جديدة مفادها أن:
الكورد ليسوا مشكلة أمنية، بل شريكًا محتملًا في الاستقرار.
وكانت هذه الصورة هي المفتاح الذي فتح الأبواب المغلقة في العواصم الكبرى.
إعادة تعريف الكوردي في المخيال الدولي
يُعدّ تفكيك الصورة النمطية عن الكورد أحد أخطر إنجازات دبلوماسية الرئيس مسعود البارزاني.
فبدل صورة “الأقلية المتمردة”، جرى تقديم الكورد بوصفهم:
• شعبًا يؤمن بالتعددية
• تجربةً سياسية قابلة للحياة
• قوةً تقاتل الإرهاب باسم القيم الإنسانية، لا بالنيابة عن أحد
وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، تحوّل هذا الخطاب إلى ممارسة واقعية. لم يكن الكورد يدافعون عن إقليمهم فحسب، بل عن منظومة قيم عالمية، وهو ما منح قضيتهم وزنًا أخلاقيًا غير مسبوق.
الاستفتاء: حين تكلّم الشعب بلغة العالم
لم يكن استفتاء عام 2017 مجرّد خطوة سياسية عابرة، بل نقلة مفاهيمية في مسار القضية الكوردية.
فبدل اللجوء إلى العنف أو فرض الأمر الواقع، اختار الرئيس مسعود البارزاني أداة يفهمها القانون الدولي: صوت الشعب.
ورغم العواصف السياسية التي أعقبت الاستفتاء، إلا أن نتيجته الأهم كانت واضحة:
لم تعد القضية الكوردية شأنًا داخليًا يمكن تجاهله، بل سؤالًا مفتوحًا في الضمير الدولي.
قيادة لا تبحث عن اللحظة بل عن المسار
ما يميّز تجربة الرئيس مسعود البارزاني ليس السعي إلى مكسبٍ سريع، بل تثبيت مسارٍ تاريخي.
فهو لم يتعامل مع القضية الكوردية كرهانٍ شخصي، بل كمشروع طويل النفس، يُبنى بالتراكم، ويُقاس بالأثر لا بالتصفيق.
وبهذا المعنى، فإن دبلوماسيته لم تُنتج دولة، لكنها جعلت فكرة الدولة ممكنة التفكير، ومشروعة النقاش.
خاتمة
لم يُدخل الرئيس مسعود البارزاني القضية الكوردية إلى الأجندة الدولية بالقوة، بل بالشرعية.
ولم يجعل العالم يصغي إلى الكورد بالصراخ، بل بالاتساق بين الخطاب والممارسة.
وهكذا، خرجت القضية الكوردية من كونها حكاية شعبٍ منسي، لتصبح استحقاقًا سياسيًا مؤجلًا لا يمكن شطبه