الثامن من شباط حين انقلبت البنادق على الدولة

د.ايناس كلهر الفيلي

في الثامن من شباط عام 1963 شهد العراق واحداً من أكثر الأيام دمويةً وتأثيراً في تاريخه السياسي الحديث. يومٌ انقسمت تسميته كما انقسمت نتائجه؛ فبينما سمّاه مؤيّدوه “ثورة 14 رمضان”، رسخ في ذاكرة خصومه بوصفه “الانقلاب الأسود”، لما خلّفه من عنفٍ واسع وتحوّلٍ حاد في مسار الدولة والمجتمع جاء الانقلاب تتويجاً لصراعٍ سياسي محتدم أعقب ثورة 14 تموز 1958، حيث دخلت القوى السياسية في سباقٍ على السلطة والنفوذ. كان عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، يمثّل مشروعاً وطنياً حاول الموازنة بين التيارات المختلفة، لكنه وجد نفسه مع مرور الوقت معزولاً سياسياً ومحاطاً بخصومات داخلية حادة، خاصة مع القوميين والبعثيين في فجر الثامن من شباط تحركت وحدات عسكرية مدعومة بتنظيمات سياسية لإسقاط الحكم القائم بدأت المعارك بقصف وزارة الدفاع التي تحصّن فيها عبد الكريم قاسم مع عدد من أنصاره وعلى الرغم من مقاومة استمرت لساعات، انتهى الأمر بسقوط الوزارة واعتقال قاسم، ثم إعدامه لاحقاً في اليوم نفسه لتُطوى بذلك صفحة حكمه بشكلٍ دموي وسريع لم يكن إسقاط عبد الكريم قاسم مجرد تغيير في رأس السلطة بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بالقسوة وتصفية الخصوم شهدت البلاد موجة اعتقالات وإعدامات واسعة، استهدفت الشيوعيين ومعارضين آخرين وبرزت أجهزة قمعية لعبت دوراً أساسياً في ترسيخ حكم السلطة الجديدة هذا العنف ترك جروحاً عميقة في المجتمع العراقي وأسّس لثقافة الإقصاء والانتقام السياسي أعاد انقلاب 8 شباط رسم خريطة السلطة في العراق، لكنه في الوقت ذاته زعزع الاستقرار وأدخل البلاد في دوامة انقلابات وصراعات لم تنتهِ سريعاً وبينما ما زال الجدل قائماً حول تسميته وتقييمه يبقى هذا اليوم علامة فارقة في تاريخ العراق ودليلاً على أن العنف السياسي مهما تغيّرت مسمّياته يخلّف آثاراً طويلة الأمد على الدولة والإنسان معاً.

قد يعجبك ايضا