الستيني يروي تجربته (10) رسالة الى من هم دون الاربعين

د.ابراهيم احمد سمو

قوة الإنسان بين الوحدة والمسؤولية: تأملات في النفس والسلطة والوعي

مهما بدا الإنسان قويًا في أعين الناس، ومهما أحاط به من يثبت له تلك القوة في لحظات متتابعة، فإنه حين ينفرد بنفسه، يكتشف ضعفًا لا يراه الآخرون. في تلك العزلة، قد يبكي، لا حزنًا على فراق، ولا خوفًا من فقر، ولا ألمًا لعدم بلوغ القمة أو فقدان حبيب، بل يبكي لأنه يرى نفسه على حقيقتها، لا تلك الصورة القوية التي رسمها له الناس. عندها، لا يجد حوله بشرًا يُذكر، فيبدأ بمحاسبة ذاته ونقدها بصدق.

فالعمل، مهما كان مرهقًا، يجلب الاتصالات، ويجعل الأبواب مزدحمة بالناس، بمختلف أصنافهم ونواياهم. غير أن الدنيا قد تأخذ الإنسان أحيانًا إلى ما لا يُحمد عقباه، فتدفعه إلى الخلف، بعيدًا عن الأضواء، وهناك تتغير الصورة. فيدرك أن البشر ضرورة أحيانًا، كما أن الخلوة ضرورة في أحيان أخرى، يتخذها الإنسان رفيقًا يراجع فيها نفسه، ويعاتبها، وينقدها، ليصل إلى حقيقة ذاته دون زيف.

الإنسان بلا عمل، وبلا اختلاط بالبشر، وبلا حضور في جمعٍ من الناس، قد لا يكون شريرًا، لكنه قد يتحول إلى عدواني على نفسه أو على من حوله. فالبشر بطبيعتهم لا يطيقون بعضهم بعضًا دائمًا؛ بينهم تنافس، منه الشريف، وأكثره غير ذلك. لكن حين ينفرد الإنسان بين جدرانٍ صامتة، بلا أنيس، يبدأ بمعرفة قيمة البشر حقًا. فبعض الناس ينحنون تواضعًا، ويتعلمون التسامح، بينما يبقى آخرون أسرى الغرور والكذب، ينظرون إلى الأعلى دون أن يروا البئر التي تنتظرهم في الأرض، وهم يسيرون نحوها بأقدامهم لأنهم لا ينظرون إلا إلى السماء.

والحكمة أن ينظر الإنسان إلى الأرض وهو يمشي، لا ليحني رأسه ذلًا، بل وعيًا. ويمكنه أن ينظر إلى السماء أحيانًا، لا بغرور، بل بشكرٍ وعزة نفس. هذه معادلة التوازن التي يحتاجها البشر، وخاصة الشباب دون الأربعين، وكذلك من بلغ هذا العمر أو تجاوزه. فالمسؤولية ليست مجدًا دائمًا، بل امتحان طويل، قد ينتهي بنجاحٍ كبير يرافق صاحبه مدى الحياة، أو بخسارةٍ تترك أثر الذل في النفس إن أسيء التعامل معها.

فإذا جاءك ما تطمح إليه، فاحرص عليه، ولا تدعه يسيطر عليك. كن قويًا دون أن يغرك المال، ولا الجاه، ولا المنصب. صافح المتعصب بأدب، وودّع المنصب حين يتطلب الأمر ذلك، سواء كان القرار منك أو مفروضًا عليك. المهم أن تخرج بكرامة، وأن تودّع من معك بحب واحترام.

هذه ملاحظات عابرة لرجلٍ تجاوز الستين، يحذّر من أن تأخذنا المواقع والمناصب إلى مصيرٍ صار عبر التاريخ عارًا على كثيرين. احذر الغفلة الدائمة، وداوم على سؤال نفسك: من أنا؟ أين كنت؟ وإلى أين أذهب؟ واجعل مرآتك شاهدة عليك كل صباح، وأنت تمشط شعرك، تراجع ذاتك بصدق. فإن رأيت سمنةً في النفس، فاسأل: أهي طبيعية، أم من مديح الناس؟ فإن كانت من أفواههم، فتراجع، وقل: لا يعنيني ذلك.

وما من إنسان نام قرير العين وهو يتذكر أنه تطاول على الآخرين، أو أذل نفسه، أو آذى غيره. فالتقدم الحقيقي يبدأ أحيانًا بخطوة إلى الخلف، لا هروبًا، بل تصحيحًا للمسار. والمشورة هي سيد النجاح، أما الصمت خوفًا على الرزق، وكتمان الخطأ عن المسؤول الأعلى، فذلك مما يكثر في السياسة، وينتهي غالبًا بندمٍ وطردٍ وخسارة الجميع. فالضمير الصامت شريك في الخطأ، والحق لا بد أن يُقال، ولو كلف الأمر ثمنًا.

قد يعجبك ايضا