أحمد زبير باني
ليست المسافة بين جبال كوردستان وقصر الإليزيه مجرد خطوطٍ على خريطة جغرافية، بل فجوة حضارية، وتاريخًا طويلًا من الصمت المفروض، ورحلةً شاقة قطعها صوتٌ كان محاصرًا بالدخان والبارود، ليصل أخيرًا إلى صالونات القرار الدولي. في هذه المسافة تحديدًا، يتجلّى معنى الفعل السياسي حين يتجاوز السلاح، ويتحوّل إلى خطابٍ أخلاقي، ويغدو النضال تعبيرًا عن إنسانيةٍ مهدَّدة، لا عن تمرّدٍ عابر.
في هذا السياق، لم يكن حضور مصطفى بارزاني في المخيال السياسي الفرنسي — ولا في رسالته الموجّهة إلى قصر الإليزيه — مجرّد حدث دبلوماسي عابر، بل كان إعادة تعريف جذرية للقضية الكوردية نفسها: من “ملف أمني” إلى قضية حرية، ومن تمرّدٍ محلي إلى سؤالٍ أخلاقي موجَّه إلى العالم بأسره.
⸻
بارزاني: من قائد مقاومة إلى شاهدٍ على ضمير العصر
حين خاطب بارزاني الجنرال شارل ديغول، لم يفعل ذلك بلسان المهزوم، ولا بلغة المتسوّل السياسي، بل بصفته ممثلًا لوجدان شعبٍ حيّ، مثخن بالجراح، لكنه غير مكسور الإرادة. لقد تحدّث كما يتحدّث من يعرف أن التاريخ لا يُكتب فقط بالبندقية، بل بالكلمة التي تُحرج القوة، وتكشف تناقضاتها، وتضعها أمام مرآتها الأخلاقية.
في تلك اللحظة، كان بارزاني أبعد ما يكون عن صورة “قائد حركة مسلّحة” كما أرادت بعض السرديات الرسمية اختزاله. لقد ظهر بوصفه حارسًا لمعنى العدالة في زمنٍ اختلطت فيه المصالح بالمبادئ. لم يطلب تعاطفًا، بل طالب اتساقًا: اتساق فرنسا مع تاريخها، مع ثورتها، مع شعاراتها التي رفعتها في وجه الطغيان، ثم كادت تنساها حين تعلّق الأمر بشعبٍ لا يمتلك دولة.
⸻
فرنسا بين المبادئ والسلاح: امتحان الثورة خارج حدودها
لم تكن رسالة بارزاني مجرّد احتجاج على تزويد الأنظمة القامعة بالسلاح الفرنسي، بل كانت اتهامًا أخلاقيًا ناعمًا، عميق الأثر. لقد وضع فرنسا — مهد حقوق الإنسان — أمام سؤالٍ لا مهرب منه:
كيف يمكن لبلدٍ وُلد من رحم الثورة أن يكون شريكًا، ولو بالصمت أو بالسلاح، في قمع شعبٍ يطالب بأبسط حقوقه؟
هنا تتجاوز القضية الكوردية ذاتها، لتغدو مرآة تعكس هشاشة الخطاب الأخلاقي الغربي حين يصطدم بالمصالح الجيوسياسية. وبهذا المعنى، لم يكن بارزاني يدافع فقط عن الكورد، بل عن فكرة العدالة الكونية نفسها، وعن مصداقية القيم حين تُختبر خارج حدود أوروبا.
⸻
الدبلوماسية في زمن الخنادق
ما فعله بارزاني لم يكن أمرًا سهلًا ولا مألوفًا. ففي زمنٍ كانت فيه لغة السياسة مرهونة بفوهات البنادق، اختار أن يمارس دبلوماسية أخلاقية تُخاطب العقل والضمير معًا. لقد أدرك مبكرًا أن المعركة الحقيقية لا تُحسم فقط في الجبال، بل في العواصم، وفي الرواية، وفي كيفية تعريف الذات أمام الآخر.
وهنا تتجلّى عبقرية الرجل:
أن يحوّل شعبًا مُحاصرًا إلى قضيةٍ مسموعة،
وأن ينقل الكورد من خانة “الخطر” إلى خانة “الحق”،
وأن يجعل من نضالهم امتدادًا طبيعيًا لكل حركة تحرّر إنساني عرفها التاريخ الحديث.
⸻
القضية الكوردية: من أزمة أمنية إلى قضية إنسانية
لعلّ أكبر إنجاز حقّقه بارزاني في هذا الخطاب — وربما في مجمل مسيرته السياسية — هو تفكيك السردية التي شيطنت الكورد. لقد أصرّ على تقديم قضيتهم بوصفها قضية شعبٍ حُرم من حقه في الوجود الحر، لا جماعة خارجة عن النظام. هذا التحوّل في اللغة لم يكن تفصيلًا، بل كان جوهر المعركة.
فاللغة تصنع الواقع، ومن يربح المعركة اللغوية يربح نصف الطريق نحو العدالة. وبارزاني فهم ذلك بعمق، فخاطب العالم لا بما يريد أن يسمعه، بل بما لا يستطيع إنكاره.
⸻
خاتمة: حين يصبح الصوت أعلى من السلاح
من كهوف كوردستان إلى أروقة الإليزيه، لم ينتقل بارزاني جسديًا فحسب، بل نقل معه معنىً جديدًا للنضال؛ معنى يقول إن الحرية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج، وإن الكرامة قد تُقال بهدوء، لكنها قادرة على هزّ العروش.
لقد أثبت أن القائد الحقيقي ليس من يُكثر من إطلاق النار، بل من يُحسن إطلاق السؤال الصحيح في اللحظة الصحيحة، وأن القضية العادلة، حين تجد لغتها، تصبح أقوى من كل الترسانات.
وهكذا، لم يكن خطاب بارزاني مجرد صفحة في أرشيف الدبلوماسية، بل وثيقة أخلاقية ما زالت، حتى اليوم، تسأل العالم:
هل المبادئ قابلة للتجزئة؟
وهل الحرية امتيازٌ جغرافي، أم حقٌ إنساني شامل؟
إنها أسئلة لا تشيخ… تمامًا كالقضية التي حملها ذلك الصوت القادم من الجبال.