التوقيت السياسي للتسريبات وصراع النفوذ في سورية: حين تتحوّل الفضائح إلى أدوات ضغط دولية

سالي علي

لا يمكن قراءة موجة التسريبات الأخيرة التي تطال شخصيات سياسية بارزة بمعزل عن اللحظة السياسية الحساسة التي تمرّ بها واشنطن، ولا عن تعقيدات الملف السوري تحديدًا. ففي عالم السياسة الدولية، لا يُعدّ التوقيت تفصيلًا ثانويًا، بل سلاحًا بحد ذاته، يُستخدم لإضعاف مواقع تفاوضية، وإعادة تشكيل موازين النفوذ والتحالفات.

حين تتعرض شخصية بحجم دونالد ترامب لضغوط أخلاقية وقانونية متزامنة، فالأمر لا يقتصر على بعدها الشخصي أو الإعلامي، بل يمتد ليؤثر مباشرة في موقعه داخل شبكة القرار الأمريكي، وفي قدرته على التأثير في ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها سورية والشرق الأوسط.

في هذا السياق، لا تبدو هذه التسريبات أحداثًا معزولة، بل جزءًا من صراع أوسع لإعادة توزيع الأدوار داخل منظومة النفوذ الدولي. فكل إضعاف لشخصية سياسية فاعلة يفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة ترتيب الأوراق، وفرض مقاربات جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية.

وهنا تبرز الحقيقة المؤلمة التي رافقت القضية الكوردية لعقود:
فرغم أن الكورد كانوا من أكثر الحلفاء ثباتًا وموثوقية في محاربة الإرهاب، ورغم تضحياتهم الكبرى في مواجهة داعش وحماية استقرار المنطقة، فإن قضيتهم كثيرًا ما تتحول إلى ورقة قابلة للتأجيل أو المساومة كلما تغيّرت أولويات القوى الدولية.

السؤال الجوهري لا ينبغي أن يقتصر على: من سرّب هذه الملفات؟
بل الأهم: من المستفيد من إضعاف شخصيات بعينها في هذا التوقيت الدقيق؟
ومن سيحصد نتائج إعادة خلط التحالفات في سورية والمنطقة؟

في السياسة الدولية، لا تُدار الملفات بمنطق الأخلاق وحدها، بل وفق حسابات المصالح والقوة. وغالبًا ما تكون الشعوب المظلومة، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، أول من يدفع ثمن هذه الصفقات، رغم كونه عنصر استقرار حقيقي لا مصدر فوضى.

إن اختزال هذه التسريبات في إطار “فضائح شخصية” يُفقدها معناها السياسي العميق. فهي في جوهرها أدوات ضغط تُستخدم ضمن معركة نفوذ كبرى، هدفها إعادة رسم خرائط التأثير، وتحديد من يملك القرار في الملفات الساخنة، وعلى رأسها الملف السوري.

وبينما تُعاد صياغة التحالفات في الغرف المغلقة، يبقى الكورد في مواجهة خطر التهميش مجددًا، ما لم تُقرأ هذه التحولات بوعي سياسي حقيقي، وتُواجَه بموقف كوردي موحّد يفرض القضية كحقيقة لا كورقة تفاوض.

قد يعجبك ايضا