الناصرية: حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة نفي

دياركاظم

لم تكن رحلتي إلى وسط وجنوب العراق رحلة سياحية فقط ،بل كانت مواجهة هادئة مع تاريخٍ شخصيّ لم يُغلق ملفه بعد.
تنقّلت بين بغداد والبصرة، والخصيب والفاو، ثم الحلة وكربلاء والفلوجة، مرورًا بالمحمودية واليوسفية والمسيب. في كل تلك المدن، وجدت ما لا تقوله السياسة: طيبة الناس، بساطة التعامل، وغياب أي شعور بالكراهية أو العداء.
عند مرقد الأئمة الكاظم والحسين والعباس، شعرت أن الحزن حين يكون إنسانيًا يتحوّل إلى طمأنينة، لا إلى خوف.

في دهوك وأربيل كانت درجات الحرارة تحت الصفر، وفي الجنوب كانت 18 مئوية.
كأن الجغرافيا نفسها تذكّرنا بأن الدفء والبرد لا يرتبطان بالمكان فقط، بل بالذاكرة أيضًا.
لكن الناصرية لم تكن مدينة عابرة في هذه الرحلة.
الناصرية اسم محفور في تاريخ عائلتي بوصفه منفى وعقاب لنا.
في عام 1936، إبّان الحركات التحررية في بارزان، اعتُقل الشيخ أحمد البارزاني في الموصل، ونُفيت معه عشرات العوائل الكوردية وعدد من أهالي عقرة، من بينهم عائلتنا الملقب ب عائلة پرى في عقرة. لم يكن النفي عقوبة فردية، بل سياسة جماعية: اقتلاع من الجبل إلى الصحراء، ومن الهوية إلى الإقامة الجبرية.
يروي عمي أحمد زبير عن والده، مام زبير، لحظة النفي. حين سأل سليمان سوره احد المنفيين : «ماذا سيفعلون بنا؟»، جاء الجواب هادئًا وقاطعًا: «سينفوننا إلى الصحراء».
لم يكن السؤال عن الخوف، بل عن الكيفية:
كيف سنذهب؟من سيدفع ثمن الطريق؟وحين قيل لهم إنهم سينقلون بالحافلات وعلى نفقة الدولة، ضرب سليمان سوره يده بجسم الحافلة فرحًا. فرحٌ لا يُفهم إلا في سياق الكرامة: لم يفكّروا أنهم منفيون، بل رأو في أي كلفة يتحمّلها خصمهم انتصارًا صغيرًا، يحفظ للروح توازنها.
كان والدي المرحوم في كل حادثه يتذكر الرواية الثانية لنفي العائلة الى الجنوب في 1975 : نُفينا أولًا إلى قضاء سوق الشيوخ، ومن ثم إلى مركز مدينة الناصرية. وأنا اليوم، أسيرُ في مدينةٍ وسطَ الصحراء، قاحلةٍ لا خُضرةَ ولا تمدُّن، ووجوهُ الناسِ منهكةٌ، والسماءُ مغطّاةٌ بغيمةٍ سوداءَ وغبارٍ في شهرِ يناير، فأتساءل:
كيف كانت الناصرية قبل خمسين عامًا في ذاكرة أبي؟
وكيف كانت قبل تسعين عامًا في ذاكرة جدي؟
كم كان ثقل الشمس؟ وكم كان ثقل الغربة؟
المدن تغيّرت، والأنظمة سقطت، لكن المنفى حين يدخل تاريخ العائلة لا يغادره بسهولة.
ومع ذلك، لم أكره المكان، بل كرهت الفكرة التي جعلت منه عقوبة. فالناس هنا يشبهون الناس في دهوك واربيل سليمانية: الخبز واحد، والحزن واحد، والأحلام بسيطة. وحدها السياسة كانت تعرف كيف تحوّل الجغرافيا إلى سجن.
هذه الرحلة لم تُحرّضني على الكراهية، بل على الفهم.
فالذاكرة إن لم تتحوّل إلى وعي، تتحوّل إلى حقد.
وأنا لا أريد أن أورّث أولادي حقدًا بل حقيقة.

قد يعجبك ايضا