الجزء الاول
أ.د. محمد الربيعي
أزمة مزدوجة في قلب المنظومة الأكاديمية في بلد يمتلكمن الإرث العلمي ما يؤهله للريادة، ومن الكفاءاتالبحثية ما يبعث على الفخر، لا يزال البحث والنشرالعلمي في العراق يعانيان من تهميش مزدوج: داخلييتمثل في ضعف البنية المؤسسية والثقافة البحثية،وخارجي يتمثل في محدودية الحضور في المنصاتوالمؤتمرات العالمية. هذه المفارقة ليست قدرا، بل نتيجةتراكمات تاريخية من الاهمال وانعدام التمويل والفسادالإداري، جعلت من إصلاح منظومة البحث والنشرضرورة وطنية واستراتيجية، لا مجرد مطلب أكاديمي.
المهمة الغائبة وسط ضجيج النشر
من المؤسف أن يختزل النشاط البحثي إلى إنتاجأوراق تستخدم لأجل الترقية أو التصنيف، دون أنترتبط بمشكلات المجتمع أو تسهم في التنمية. هذاالتصور المشوه لا يعكس جوهر المهمة الأكاديمية، ولاطموح الباحثين الحقيقيين الذين يواصلون العمل رغمغياب الحوافز وضعف الدعم وتحديات التمويل. البحثالعلمي هو فعل معرفي أصيل، والنشر هو امتدادهالطبيعي، لا غايته الوحيدة.
قلة من الباحثين العراقيين يسعون إلى النشر فيالمجلات العالمية، لا لأجل الترقية فحسب، بل مدفوعينبوازع يتجاوز الاستحقاق الوظيفي، ونحو حل مشاكلالوطن، وإحداث الأثر، وإثراء المشهد العلمي. إلا أنواقع الحال يشير إلى أن نتاجاتهم البحثية تعد غالبامجرد بيانات كمية في سياق المنافسة علىالتصنيفات، بدلا من تقديرها كطروحات فكرية تعالجالقضايا الوطنية العراقية.
إعادة توجيه البحث نحو التنمية
والنشر إلى سباق عددي يفرغ العملية من معناها. المطلوب هو إعادة توجيه الجهد العلمي نحو خدمةالمجتمع، عبر تشجيع المشاريع التي تعالج مشكلاتمحلية، وتنتج معرفة قابلة للتطبيق، وتسهم في التنميةالوطنية. العراق يواجه تحديات مركبة في الطاقة والمياهوالتعليم والصحة والبطالة والبيئة، وكلها تحتاج إلىأبحاث تنشر وتناقش وتترجم إلى سياسات يجب أنتعيد الجامعات النظر في سياسات التقييم الأكاديمي،بحيث لا تكافئ الباحث على عدد الأوراق فقط، بل علىأثرها، وارتباطها بالمجتمع، وقابليتها للتطبيق. ويجبأن تربط مكافآت النشر بالنتائج، لا بالأرقام، وأن تمنحالأولوية للأبحاث التي تسهم في بناء اقتصاد المعرفةوتحسين جودة الحياة وتعزيز السيادة العلمية للعراق.
المشكلة في عدم تحقيق هذه الاهداف تكمن في غيابالديمقراطية وحرية الفكر، حيث تدار السياساتالتعليمية والعلمية ضمن منظومة مغلقة لا تسمح بالنقداو المشاركة المجتمعية، وفيها تقصى الكفاءات، وتهمشالعقول المستقلة، ويحاصر التفكير الحر، وكما تذكرنور عبيد في المرصد الجامعي للحقوق تُدار الجامعاتالعربية: “بمنطق لبيك يا زعيم، حيث تصعد الجداجدإلى المنابر، والفارغون إلى مواقع القرار. تتحولالوظيفة إلى “حصة“، والدرجة العلمية إلى “غنيمة“،والبحث العلمي إلى إعلان ولاء. يُطرد المبدع لأنه يرفضالركوع، ويُهمّش الفاعل لأنه يزعج الصمت المطيع“.
هكذا تتحول الجامعة من مصنع وعي إلىثكنة للحرس القديم، من فضاء عقل إلى مكتب خدماتسياسي، ومن بيت للبحث إلى بقرة حلّابة تُوزع مقاديرحليبها على الحاشية العلّامة بضروب الفساد.
البحث والنشر كمسار مزدوج وطني وعالمي
ينبغي أن ينظر إلى البحث والنشر العلمي لا كمجردنشاط أكاديمي معزول، بل كمسار مزدوج متكامليحمل بعدين متلازمين: بعد وطني وبعد عالمي. فالمسارالوطني يعنى بتعزيز الهوية المعرفية والثقافية، ويسهمفي معالجة التحديات المحلية، ويكرس البحث كأداةلبناء المجتمع وخدمة قضاياه التنموية والاجتماعية. إنهمسار يعيد للجامعة دورها كمحرك للتغيير ومصدرللحلول، ويرسخ العلاقة بين المعرفة والواقع.
أما المسار العالمي، فهو الذي يربط الباحث العراقيبالشبكات العلمية الدولية، ويعزز حضوره في فضاءإنتاج المعرفة العالمي، ويسهم في نقل التجاربوالخبرات وتبادل الرؤى والانخراط في الحواراتالكبرى التي تشكل مستقبل العلوم والمجتمعات. هذاالمسار لا يعني الذوبان في الآخر، بل المشاركة الفاعلةمن موقع الندية والتميز, كلا المسارين ليسا متعارضين،بل متكاملان ومترابطان، ويجب أن يحظيا معا بالدعمالمؤسسي والتربوي والتقني. فبدون بيئة حاضنة تقدرالبحث ذي القيمة المجتمعية، وتشجع في الوقت ذاتهعلى النشر الرصين في المنصات العالمية، سنظلأسرى منطق الاستهلاك الإحصائي الذي يفرغ البحثمن مضمونه، ويحولّه إلى أرقام بلا أثر. المطلوب هوإعادة تعريف النجاح البحثي ليشمل الأثر المحليوالاعتراف الدولي معا، في إطار رؤية وطنية واعيةومفتوحة على العالم