الطالب الأفريقي وشادية

إبراهيم خليل إبراهيم

الفنانة شادية رحمها الله حرصت قبل وفاتها بسنوات طويلة على تقديم يد العون والمساعدة والدعم لفئة كبيرة من الطلاب الفراء والوافدين والمغتربين للدراسة في الأزهر الشريف الأزهر حيث كانت تنيب عنها من يقدم لهم المساعدات المالية الشهرية بانتظام ودون أن تظهر في الصورة وشاع بين طلاب الأزهر أن كل من تتقطع به السبل يسعى إلى التواصل مع مندوب الحاجة شادية كما كانوا يسمونها بغرض الحصول على مساعدة شهرية منتظمة تساعده على الوفاء باحتياجاته ومصاريف دراسته ولم تكن هذه المساعدات محدودة أو تشمل عددًا قليلًا من الطلاب بل كانت لا تصد أحدًا رغم اعتزالها الفن وعندما كان أحدهم بعد التخرج أو تحسن أحواله رد جزء من هذا الدين كان المندوب يبلغه بأن لحاجة شادية تنصحه بتوجيه هذا المال إذا كان فائضًا عن حاجته إلى آخرين يبدءون رحلتهم التعليمية في الأزهر ويحتاجون من يدعمهم ماليًا.

بعد رحيل الفنانة شادية إلى دار الخلود واصل مندوب الفنانة شادية تواصله مع هؤلاء الطلاب وغيرهم لمنحهم المساعدات دون نقصان أو تأخير كما أوصت بذلك قبل وفاتها
حرص عدد من طلاب الأزهر خاصة الأفارقة والآسيويين على زيارة قبر الفنانة شادية لقراءة الفاتحة على روحها ترحمًا ومن هؤلاء الطلاب طالب تخرج وعمل وكتب على صفحات التواصل الاجتماعي : أنا اسمي زين العابدين .. طالب أزهري سابق من دولة نيجيريا وحالياً بشتغل أستاذ فى أحد المعاهد الخاصة .. من سنين كتير فاتت ومن اللحظة الأولى اللي وصلت فيها مصر للدراسة فى الأزهر الشريف وأنا شايل الهم .. الحقيقة إن أهلي كلهم كانوا شايلين الهم مش أنا بس
فكرة السفر من نيجيريا والحضور لمصر للتعلم كانت رحلة محفوفة بالمخاطر بسبب ضعف الموارد المادية لأسرتي واللي كنت بساهم بجزء كبير منها لما كنت بشتغل فى واحد من مصانع مدينتنا .. بس والدي أخد القرار الصعب .. زين .. لازم يسافر يتعلم فى مصر .. فى الأزهر الشريف .. والفلوس ؟.. فلوس السفر أو الصرف على البيت بعد سفري هتيجي منين ؟ والدي قال أنا هشتغل وربنا يقدرني وهجيب لك فلوس السفر حتى لو ها نتداين وبعد كده هشتغل وردية تانية عشان أصرف على البيت .. مع العلم والدي كان وقتها عمره 55 سنة وعنده أمراض تخلّي حركته صعبة وعشان السبب ده كنت بشتغل وردية وهو وردية .. رفضت لكن هو صمم وقال لي إن نجاحي فى مصر هيفتح باب فرج لباقي إخواتي ولأسرتنا كلها
3 شهور وتم جمع فلوس سفري لـ أم الدنيا كطالب منتسب للتعلم فى الأزهر الشريف.. بالمناسبة قيمة وقدر الأزهر الشريف عندنا فى نيجيريا وفي كل الدول العربية والإسلامية قيمة مالهاش حدود .. هو فى نظرنا قِبلة الدين الوسطي ورمز السماحة وأساس التعلم السليم
لما وصلت مصر فوجئت بالظروف المعيشية الصعبة اللي هتواجهني وفي نفس الوقت المبلغ اللي باقي معايا يادوب هيكفي كام يوم بس .. أجرت غرفة فى فندق متواضع وبسيط .. ضغطت نفسي ومصاريفي على قد ما أقدر.. كان أكلي كل يوم رغيفين عيش وكام قرص طعمية من عربية فول عم سيد العفي فى منطقة الغورية

الفلوس كانت بتتناقص تدريجياً وكان ضروري البحث عن مصدر رزق يساعد معايا .. سألت طالب نيجيري زميل فى الأزهر تعرفت عليه عن شغلانة يقدر يرشحني أو يدلني عليها .. قال لى وتشتغل ليه ! إنت جاي تدرس ولا تشتغل ! قولت له أومال هصرف منين ! رد : سيبني أشوف وهقول لك .. تاني يوم مباشرة أخدني من إيدي ووداني لواحد قال إنه إسمه أحمد .. رغم سنه اللي مش كبير لكنه راجل وقور وبسيط وكان وقتها فى الثلاثينات من عمره .. إتعرف عليا وقال لى : إنت هتدرس وتذاكر ومالكش دعوة خالص يا زين لا بالسكن ولا بالمصاريف .. سألته : إزاي ؟ قال : الحاجة شادية متكفلة بكل حاجة .. مين الحاجة شادية ! عرفت بعد كده إنها الفنانة الجميلة المعتزلة شادية .. طيب وهى بتعمل كده ليه ! سألت زميلي وإحنا راجعين من مقابلة أحمد .. رد : مش معاك إنت بس هى بتعمل كده مع ناس كتير فى الأزهر وغيره .. ربنا يباركلها .. الحقيقة أنا ماكنتش عارف الفنانة شادية ولا أسمع عنها قبل كده بسبب ظروف النشأة والبعد عن الثقافة الفنية المصرية بس بعد الموقف ده بدأت أسأل وأشوف وأقرأ .. كمية خير لا محدود ماشية على رجلين
كانت بتدفع مصاريف السكن لشباب كتير جايين يتعلموا فى مصر.. وكانت بتديهم مصروف شهري يكفيهم حوجة السؤال .. إستمر ده معايا شهر وإتنين وتلاتة .. بعدها كانت ظروفي بدأت تتظبط وبدأت أتعود على الأجواء فى مصر وبقي عندي مساحة وقت إني أشتغل .. رحت قابلت أحمد اللي كنا بنتعامل معاه من طرفها .. المفروض إني كنت رايح فى ميعاد إستلام الشهرية بتاعتي واللي كان متعود يبعته لغاية السكن عندي كل شهر بس هو فوجيء بيا عنده ! قال لي إن الشهرية فى طريقها للسكن بتاعك يا زين ! قلت له إني جاي النهاردة عشان أقول له إني مش محتاج الشهرية تاني وإني من بكره هستلم شغل جنب دراستي وبشكره هو والحاجة شادية على وقفتهم معايا الفترة اللي فاتت .. قلت له كمان إني ملتزم كل شهر أسدد جزء من ديوني ليها من مرتبي .. رفض وقال لي مستحيل وشهريتك هتفضل توصل لك لحد ما تتخرج!.. صممت.. رفض برضه وقال لي إنها هى نفسها مش هتوافق .. قلت له إني ماتعودتش آكل بلاش أو حد يصرف عليا وكده كده الأزهر بدأ يساعدني كطالب مغترب .. رد : ومين قال لك إن هى مش هتاخدهم ! هتاخدهم بس مش يداً بيد .. سألت : أومال ؟ قال : لما تتخرج وتشتغل إبقي إعمل بيهم خير وساعد حد غيرك هى كده هتبقى مبسوطة أكتر .. إنتهي الحوار هنا ورفض إني أستمر فى المقاوحة
عدت السنين وخلالهم كان إمتناني ومحبتي للست دي بيزيد .. وكان دايماً السؤال اللي شاغلني هى بتجيب الفلوس دي كلها منين ! وإيه اللي يجبرها تساعد ناس كتير ماتعرفهمش بالشكل ده ! فى آخر سنة إتعرفت على أخت صديق نيجيري عايشين فى مصر وقررت أخطبها .. رحت إتكلمت مع أخوها ووالدها ووافقوا .. حكيت على ظروفي زي ما هى بالظبط بدون تجميل ولا تزويق .. قبلوني زي ما أنا .. تاني يوم الخطوبة لقيت ظرف جاي على عنوان سكني فيه فلوس ومكتوب فيه ( الحاجة بتقول لك مبروك وربنا يتمم على خير يا زين ) الفنانة الحاجة شادية تاني ! الإمتنان والمحبة بيزيدوا والله يا ست
إتخرجت من الأزهر الشريف وإشتغلت وعملت بنصيحة أحمد وبسبب موقف الحاجة شادية معايا بقي فيه مبلغ شهري بيخرج لله سواء اللي دخل جيبي كان جنيه أو ألف لازم فيه نسبة % منه مخصصة للخير .. إتجوزت فى مصر .. فى بداية شغلي كانت الأمور المادية مش مظبوطة .. خلفت بنت سميتها شادية .. البنت إتولدت بمرض الصفراء وكان لازم تتعالج فى مستشفي وتتحط تحت ملاحظة ! ظهرت الحاجة شادية فى الصورة من خلال شخص من طرفها إسمه عم حسن فوجئت بيه بيزورني فى مكان شغلي عشان يطمن عليا وعرفت منه إنه بيعمل كده مع كل الطلبة اللي كانت الحاجة بتراعيهم ! حكيت له وعرف اللي حصل مع بنتي .. إستأذن عشان يعمل تليفون ويرجع !.. رجع وقال لي يالا بينا على بيتك عشان ناخد البنت هننقلها لمستشفي أطفال متخصصة ! .. إزاي ؟ رد: الحاجة هى اللى قالت .. هتكسر كلمة الحاجة يا زين
الإمتنان والمحبة بيزيدوا تاني والله يا ست .. أنا مقابلتش الحاجة شادية ولا مرة فى حياتي بس هى كانت شريكة فى أهم لحظاتها بدون ما تعرفني ولا تشوفني ولا تكون مجبرة على كده .. مساعدة الفنانة الحاجة شادية كانت بتيجي فى وقت مستحيل تكون عارفاه من نفسها والموضوع أكيد فيه تدخل رباني ما .. بتحس ؟.. حد بيقول لها ؟ .. مش عارف بس اللي متأكد منه إن فيها شيء لله .. عشان كده لما توفاها الله بكيت عليها كإنها أمي أو جدتي .. بكاء أنا نفسي إستغربته رغم إني ماقبلتهاش ! .. أول عمرة ليا عملتها ليها هى !.. ليها صورة كبيرة فى بيتنا .. بنزورها أنا وزوجتي ومعانا شادية الصغيرة فى المقابر مرة كل شهر حتى لو كنا واقفين بره بوابة المقابر عشان بتبقي مقفولة
من قريب عرفت إن مساعدتها لناس كتير بيدرسوا لسه مستمرة حتى بعد وفاتها .. جايز إسم الوسيط إختلف .. من أحمد لعم حسن لمعرفش مين دلوقتي لكن تفضل كلمة السر لحد دلوقتي وحتي بعد وفاتها : ( الحاجة هى اللي قالت هتزعل الحاجة يا فلان )

قد يعجبك ايضا