أحمد زبير باني
في ظلّ التعقيدات السياسية التي يشهدها العراق، وتشابك الملفات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تبرز أربيل مرةً أخرى بوصفها نقطة الالتقاء الأساسية، والمكان الذي تتقاطع عنده إرادات الفرقاء السياسيين بحثًا عن حلول واقعية ومستدامة تخدم مصلحة البلاد بجميع مكوناتها.
إن اللقاء الذي جمع الزعيم الكوردي مسعود بارزاني مع وفد رفيع المستوى من الإطار التنسيقي لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل حمل دلالات سياسية عميقة تؤكد أن أربيل ما زالت تمثل بوابة الحوار الوطني، ومنصة التفاهم القادرة على استيعاب الخلافات وتحويلها إلى فرص للتوافق. فعندما تتعثر المسارات في بغداد، وتضيق دوائر الثقة بين الأطراف، تبقى أربيل الوجهة التي تُفتح فيها الأبواب، وتُطرح فيها الحلول بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الإرادات.
وخلال اللقاء، شدد الرئيس مسعود بارزاني على أن منصب رئاسة الجمهورية هو استحقاق دستوري للمكون الكوردي، وأن ضمان هذا الاستحقاق لا يتحقق إلا عبر آلية واضحة ومتفق عليها، تحول دون تكرار الأزمات السياسية وتعطيل مؤسسات الدولة. وهذا الطرح لا يعكس مصلحة الكورد وحدهم، بل يصب في خدمة استقرار النظام السياسي العراقي برمته، ويؤسس لشراكة حقيقية قائمة على احترام التوازنات الدستورية والسياسية.
إن توصيف أربيل بأنها “المحطة الأولى والأخيرة” لا ينطلق من منطق جغرافي، بل من واقع سياسي كرّسته التجارب خلال السنوات الماضية. فمن أربيل انطلقت تفاهمات جنّبت العراق أزمات كبرى، وفيها وُضعت اللبنات الأساسية لتشكيل الحكومات، ورُسمت ملامح التفاهم بين القوى الشيعية والسنية والكوردية، على أساس المصالح الوطنية المشتركة، لا منطق الغلبة العددية أو السياسية.
كما أن المتغيرات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما في سوريا، تلقي بظلالها على الداخل العراقي، ما يجعل من التنسيق بين القوى السياسية ضرورة لا خيارًا. وفي هذا السياق، تؤدي أربيل دورًا محوريًا بوصفها مساحة آمنة للحوار، ونقطة توازن تحظى بقبول مختلف القوميات والطوائف، لما تمثله من نهج سياسي قائم على الاعتدال والانفتاح.
إن كل الطرق التي تبحث عن حل للأزمة السياسية، أو عن حكومة مستقرة، أو عن شراكة حقيقية بين مكونات الشعب العراقي، ستجد نفسها عاجلًا أم آجلًا تقود إلى أربيل. فهي ليست طرفًا في الصراع، بل جسرًا للحلول؛ وليست ساحة للمواجهة، بل طاولة للتفاهم.
وفي عراقٍ متعدد القوميات والطوائف، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح دون توافق شامل يراعي حقوق الجميع. ومن هنا، تبقى أربيل العنوان الأبرز لهذا التوافق، والمحطة التي تنتهي عندها الخلافات، لتبدأ منها حلول ترضي الجميع، وتخدم مصلحة العراق الفيدرالي بكل تنوعه وغناه الإنساني والسياسي